توقيت القاهرة المحلي 23:30:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«القاعدة» ومحاولة تحدّي الخرائط

  مصر اليوم -

«القاعدة» ومحاولة تحدّي الخرائط

بقلم : فهد سليمان الشقيران

يبدو للبعض أن التغيّرات الشكليّة والسريعة في بعض الدول ربما تُحجّم من امتداد التنظيمات الأصولية؛ وهذا مناقض تماماً لسيرورة التنظيمات ولطبيعة حركتها وطرق إعادة تموضعها لكل مَن عرفها ودرَسها.

منذ ثلاث سنواتٍ خفَتَ صوت «تنظيم القاعدة» مع جلّ أفرعه في الإقليم. غياب مُريب معناه أن ثمة ظهوراً مزمعاً في وقتٍ محدد وبصيغةٍ مختلفةٍ، وربما بطريقةٍ غير تقليدية ولا معتادة.

تعرف التنظيمات الأصولية، وعلى رأسها «تنظيم القاعدة»، أن التغيّرات السياسية تُجبرها على أخذ مساراتٍ هيكلية أخرى غير التي كانت، وهذا معروفٌ منذ نشأة «التنظيم»، إذ يغيّر من تكتيكاته تبعاً للظرف الإقليمي، ويُخاتل بالخطاب تبعاً لتغيّر أمزجة الشعوب، إنه يستهدف أجيالاً نشأت بأفكارٍ واهتماماتٍ ومجالاتٍ غير الجيل التقليدي الذي استطاع استقطابه وتجنيده قبل أربعة عقود.

في مثل هذه الظروف، «تنظيم القاعدة» لا يستسلم، بل يعيد تموضعه في جيوبٍ أخرى، أقل كلفة ومخاطرةً، وبمناطق أكثر استدامةً وأمناً.

هذا ما تؤكده دراسة مفيدة، اطلعتُ عليها مؤخراً، بعنوان «طموحات أطلسية: تنظيم القاعدة يتقدم نحو موريتانيا والسنغال» للأستاذة زينب مصطفى رويحة، ونشرها مركز المسبار للدراسات والبحوث.

من أهم نتائج الدراسة أن بدء التنظيم القاعدي «هيئة الإسلام والمسلمين» بمالي هدفه الدخول إلى تخوم موريتانيا والسنغال. فحين «أطلقت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجمات عنيفة غرب مالي، في يوليو (تموز) المنصرم، استهدفت كايس و(6) بلدان أخرى على الحدود مع موريتانيا والسنغال، وتُكثف الجماعة جهودها، في الشهور الأخيرة، نحو غرب مالي باعتباره بوابة جغرافية وخط مواجهة سياسيّاً واقتصاديّاً، مما يفسح المجال نحو الانتقال إلى موريتانيا والسنغال، والاقتراب من السواحل الأطلسية، كما يأتي ذلك في إطار استراتيجية أكبر تستهدف توسيع أركان تنظيم القاعدة في الساحل وغرب أفريقيا، وتتحرك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بخطوات تكتيكية تستهدف السيطرة على مفاصل الدولة في مالي إداريّاً واقتصاديّاً، مستغلة الظروف السياسية المضطربة».

الكارثة أن هذه البقعة المهمة موضع تنافس، كما تقول الباحثة، بين «داعش» و«القاعدة» صراعٌ «على النفوذ في الساحل وغرب أفريقيا، وتوسع تنظيم داعش في منطقة تيلابيري في النيجر، وهي المنطقة الحدودية الثلاثية التي تربط بين مالي وبوركينا فاسو وبنين، كما يتمركز بصورة أكبر في ولاية بورنو بالنيجر، ويمتد نشاطه نحو الحدود الشمالية الغربية لنيجيريا، وفي حوض بحيرة تشاد، ويمتلك قاعدة بشرية بقوة (8) آلاف إلى (12) ألف عضو. كما أجرى هجمات باستخدام المسيّرات المسلّحة ضد منشآت عسكرية في ولايتيْ بورنو ويوبي منذ عام 2024. وفي المقابل يوسّع تنظيم القاعدة (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) نفوذه في دول الساحل خارقاً الحدود نحو غانا وتوغو وبنين».

تلك الفكرة آنفة الذكر أُعلّق عليهما بنقطتين أساسيتين:

الأولى: أن «تنظيم القاعدة» مختلف تكتيكياً وهيكلياً عن «داعش». «القاعدة» تنظيم يحاول أن يكون أكثر تراتبيةً ومؤسسيةً؛ بمعنى ألّا يكثر من التشغيب المؤدي إلى الانكشاف. كما أن مستوى الدراسات للواقع المحيط به في أيّ مكانٍ يختاره، غالباً ما يكون دقيقاً بنسبةٍ أكبر من تسرّع «تنظيم داعش» المفتقر إلى مثل هذا النمط من التحليل للوقائع والمنتبه لخطورة المنعطفات.

الثانية: أن «تنظيم القاعدة»، وخاصة في منطقتنا، يحاول تبيئة وإعادة انبعاثه على المستويات كافة. لو عدنا لتاريخ نشأة التنظيم وكيف بدأ إرهابه وأصوليته منذ منتصف التسعينات، لوجدنا أنه تدرّج تبعاً للأحداث، بلغت ذروة تصعيده في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، ومن ثم انفرطت السبحة بعد التدخل الأميركي بالعراق، ومن ثم الدخول بأعمال إجرامية في كل مكان.

الآن يحاول «تنظيم القاعدة» الترويج للحالة الإرهابية بشكلٍ مختلف؛ وآية ذلك أن مجموعة من قياداتهم على المنصّات السوشيالية يظهرون بزيّ مغاير، ويستشهدون بالمفكرين، وربما بالفلاسفة، لتمرير مقولاتهم وأفكارهم الجهنمية على الأجيال التي لا تعرفهم ولم تقرأ لهم البتة.

الخلاصة أن تمركز «القاعدة» في مالي بغية دخول موريتانيا والسنغال هو تشويش على حضورها لدينا في الإقليم، ولكنه حضور غامض وكامن. الأهم من كل هذا التموضع المتذاكي أن نفهم عقليّة هذه التنظيمات الأصولية، وكيف تعيد رسم خرائطها، منتظرة لحظة الانقضاض أو التفجير، بل الانتقام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«القاعدة» ومحاولة تحدّي الخرائط «القاعدة» ومحاولة تحدّي الخرائط



GMT 09:42 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«فيفتي فيفتي»

GMT 09:40 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

لبنان يرفض الساعة الإيرانيّة

GMT 09:36 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

فصح مجيد محاصر بالصهيونية والتطرف

GMT 09:33 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

عودة الحربِ أو الحصار

GMT 09:31 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

أمير طاهري و«جوهر» المشكلة

GMT 09:27 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

لبنان... مواجهة لعبة التفكيك

GMT 09:21 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«جناح الفراشة» يتحدَّى قطعة «الكنافة»

GMT 08:37 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

ثلاث حكايات

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 11:14 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

9 خطوات لنظام غذائي صحي يطيل العمر ويحمي القلب

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 01:39 2020 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

فرنسا تسجل تباطؤا في وتيرة إصابات كورونا

GMT 23:31 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

محمد لطفي ينشر فيديو تدريبه على "البوكس"

GMT 03:15 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير كعكة بالفراولة والكريما

GMT 21:33 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

انطلاق بطولة كأس السفير الكوري للتايكوندو في الأقصر

GMT 22:31 2016 الإثنين ,28 آذار/ مارس

فوائد الأعشاب لعلاج سلس البول

GMT 05:41 2015 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

مفيدة شيحة تنفي توقف برنامج "الستات مايعرفوش يكدبوا"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt