بقلم:عمرو الشوبكي
أهمية عالم الاجتماع الفرنسى ادجار موران لا تكمن فقط فى عبقريته وإنتاجه العلمى الغزير والملهم، إنما أيضا فى إيمانه العميق بالقيم الإنسانية التى تربط البشر وطبق ذلك فى أعماله وحياته على السواء.
وقد انخرط الرجل فى شبابه فى حركات المقاومة الشيوعية ضد النازية وحمل اسم حركى «موران»، والمفارقة أنه ظل الاسم الذى يحمله طوال حياته وحتى وفاته الأسبوع الماضى، ونسى الجميع اسمه الأصلى، ورأى فى الشيوعية وعداً بالخلاص من البؤس والاستغلال وتقدم النازية، ثم جاءت تجربته الحزبية لتكشف له عن الوجه الآخر للأيديولوجيات المطلقة ورأى كما قال بعد ذلك كيف تحول الحزب الشيوعى إلى جهاز يبث فكرا جامدا وطرد منه عام ١٩٥١.
وقد فتح خروجه من الحزب الباب واسعا أمام إصداره واحدا من أهم كتبه: «النقد الذاتى» والذى كتب فيه شهادة نادرة عن خبرته الخاصة ودلت على شجاعة المفكر الذى يعيد النظر فى قناعاته الأولى وصار خصما لها ولأى أيديولوجية مغلقة.
وقد ساعدته هذه الخبرة الأولى على إصدار واحد من كتبه الشهيرة وهو «الفكر المركب» Pensée Complexe الذى حاول من خلاله تجاوز النظرات التبسيطية للإنسان، والمجتمع، والسياسة، والعلم. ودارت فكرته الأساسية على رفض «الاختزالية» أى اختزال تفسير الظواهر فى الاقتصاد، أو فى السياسة بالاختزال فى السلطة، أو الدين والثقافة بتفسير كل شىء بالهوية، ورفض هذا الفصل الصارم بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وكان له جملة شهيرة علينا أن «نربط ما تم فصله» بدل أن نجزئ الواقع إلى عناصر منفصلة.
وقد آمن الرجل بالحوار (Dialogue) وله كتابات مهمة على ضرورة أن يكون هناك حوار بين قيمة الحرية والنظام، والوحدة والتنوع، والإيمان بالفرد والمجتمع وكتب فى هذا الموضوع عن تجارب وخبرات تاريخية واجتماعية شديدة الثراء والتنوع.
وقد تحدث الرجل كثيرا عن مفهوم الأزمات المتعدد (Polycrisis) وربط بين أزمة البيئة مثلا والأزمات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية واعتبرها ظواهر مترابطة لا يجب تحليلها بشكل منفصل عن بعضها البعض.
ويعود الفضل لإسهاماته فى تعميق مفهوم العلوم البينية وعدم فصل الظواهر الاجتماعية والسياسية عن بعضها البعض وخاصة عند تحليل الأزمات العالمية.
بقى مشروع الرجل الفكرى الكبير وهو كتابه الأضخم الذى صدر فى عده مجلدات وحمل اسم المنهج. La Méthode واستمر يعمل فى هذا المشروع لنحو ربع قرن وسعى من خلاله لتأسيس نظريته عن الفكر المركب والإنسان والمجتمع، وهو عمل يعتبره كثيرون معادلًا لمشروعات فكرية كبرى مثل: مشروع هيجل الفلسفى، وبعض أعمال ماركس أو موسوعات المعرفة الحديثة، وإن كان بلغة مرتبطة بالعلوم والاكتشافات العلمية المعاصرة.
ستبقى مسيرة وأعمال ادجار موران ملهمة للكثيرين، ومعظمهما ترجم إلى مختلف لغات العالم بما فيها العربية وهو أمر يسهل على الكثيرين قراءتها والتفاعل معها.