معضلة الصراع في لبنانَ أنَّه لن ينتهي بمجرد وقف إطلاق النار، وضمان عدم تكرار العدوان الإسرائيلي وتنفيذ قرار حصر السلاح في يد الدولة، إنَّما أيضاً -وربَّما أساساً- التعامل مع بيئة «حزب الله» التي أبدت تململها من النزوح المتكرر، وانتقدت أحياناً الحزب، وحمَّلته جانباً من مسؤولية ما أصابها، ومع ذلك سيظل التحدي الأكبر بعد انتهاء الحرب يتعلق أساساً بمعالجات أساسية داخل المؤسسات اللبنانية.
والحقيقة أن الرهان الحقيقي لن يكون في «انقلاب» بيئة «حزب الله» على الحزب بسبب المآسي التي خلفتها حروبه والضحايا والدمار الذي حل بمناطقها؛ لأنَّ جانباً من هذه البيئة سيظل يعتبر سلاح الحزب جزءاً من قوَّته داخل التركيبة اللبنانية، وحتى لو قَبِل بنهاية الهيمنة لصالح المكانة.
إنَّ السؤال الذي يجب أن يُطرح عقب نهاية الحرب سيكون ليس فقط أمنياً؛ بل سيكون أساساً اجتماعياً وسياسياً وأنثروبولوجياً حول تاريخ الطوائف اللبنانية، ودورها، وطبيعة النظام اللبناني منذ استقلال البلد وقبله من أجل «فك شيفرة» هذا التفرد الذي عرفته تجربة «حزب الله» بصورة لم تعرفها تجارب بقية الطوائف، وهذا الاستثمار في العسكرة والتنظيم المسلح الذي كسر معادلة التوافق والردع المتبادل بين المكونات اللبنانية، لصالح نموذج مسلح هيمن عقوداً على القرار السياسي والعسكري.
ومن هنا سيُصبح السؤال: أين ستذهب طاقة «حزب الله» الداخلية؟ وماذا سيفعل الـ90 في المائة من عناصر الحزب الذين لا يحاربون إسرائيل؟ وإلى مَن سيتوجهون بعد انتهاء الحرب؟
الخوف على السِّلم الأهلي مشروع؛ لأن تطبيق القرار الذي لا بديل عنه في حصرية السلاح في يد الدولة لن يكون سهلاً، ولكن الأكثر صعوبة سيكون في تحويل بيئة «حزب الله» إلى بيئة تشبه بقية البيئات اللبنانية التي تعرف التنوع والخلاف السياسي، ولا يختزل فيها حزب أو ثنائي حزبي طائفة كاملة في مشروع سياسي واحد.
إن أي مهتم أو متابع للشأن اللبناني سيندهش من تغلغل مشروع «حزب الله» في أوساط قطاع من اللبنانيين على مدار أكثر من ربع قرن، وكيف تحوَّل سلاح الحزب من قوة تحرير ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 إلى قوة هيمنة وسيطرة وإقحام البلاد والعباد في حروب لصالح الآخرين.
والحقيقة أن مشاريع التشدد الديني والعقائدي شهدتها الطوائف والأديان كلها في داخل لبنان وخارجه، ولكنها كانت دائماً تمثل جانباً من مكونات هذه الطائفة أو تلك، فقد عرف لبنان تشدداً سُنِّياً، وعرف تشدداً مسيحياً، ولكن الفرق أن هؤلاء لم ينجحوا في أخذ طوائفهم رهينة لمشاريعهم السياسية أو المذهبية.
لا شك في أن التحدي الذي يواجه تنفيذ قرار حصرية السلاح في يد الدولة يعتبر من الأمور الصعبة، ولكن تحدي تحويل بيئة «حزب الله» إلى بيئة تشبه بقية اللبنانيين هو الأمر الأصعب ولكنه ليس مستحيلاً، وليس بمعنى أن يتحدثوا مثل بقية اللبنانيين، ولا أن يكون لهم الموقف السياسي نفسه، إنما يكون بداخلهم التنوع الصحي الموجود في الطوائف كلها، وأن يقتنعوا بأن السلاح لن يجلب مكانة ولا تفوقاً، وأن يقتنعوا بدعم مؤسسات الدولة لكي تكون قادرة على حماية الجميع.
علينا أن نتذكر أن بلداً صغيراً مثل لبنان قدَّم من خلال طوائفه كلها سياسيين وفنانين وأدباء كباراً، وأيضاً مقاومين للاحتلال إذا لزم الأمر، كما أنه يعرف ثقافة عابرة للطوائف تقوم على التجارة والخدمات والسياحة، وقدَّم مبدعين في المجالات كلها نافسوا دولاً راسخة في المنطقة عدد سكانها أكثر من عشرة أضعاف سكان لبنان، لذا بدا غريباً على هذا البلد هيمنة مشروع التشدد الديني وولاية الفقيه المرتبط بمصالح دولة إقليمية، ليصبح هو «صوت الطائفة الوحيد»!
إنَّ التحدي الذي سيواجه لبنان عقب انتهاء الحرب سيكون مشروع «حزب الله»، والقيمة التي فرضها على قطاع من اللبنانيين، وصوَّر لهم أن سلاحه هو مصدر الحماية، وبفضله تغيَّر وضع الطائفة الشيعية ومكانتها داخل الواقع اللبناني.
والحقيقة أنَّ هذا الكلام كله مردود عليه، ولمواجهته سيحتاج البلد إلى تصور متكامل اقتصادي وسياسي وثقافي للتعامل مع هذا الوضع، وكيف يمكن إعادة تأهيل ودمج العناصر غير المقاتلة في الحزب داخل مؤسسات الدولة، وإيجاد مداخيل مالية بديلة لتلك التي كانت تنهال من إيران على الحزب ومؤسساته المدنية، وما هو مستقبل العناصر العقائدية المقاتلة التي تحمل منظومة قيم مختلفة عن تلك الموجودة داخل الجيش اللبناني؟
نعتقد أنَّ لبنان قادر على تجاوز هذه المسائل إذا توفرت الإرادة لدى الجميع، وإذا أراد اللبنانيون أن يلتفتوا لبناء بلدهم الذي أكلته الحروب.