توقيت القاهرة المحلي 16:06:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رحيل موران... قرنٌ من الفلسفة والحكمة

  مصر اليوم -

رحيل موران قرنٌ من الفلسفة والحكمة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

برحيل الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (8 يوليو/تموز 1921 - 29 مايو/ أيار 2026) يفقد المجال الفلسفي أحد أقطابه الكبار؛ فهو فيلسوفٌ انشغل بالنظرية المعرفية كما في كتابه «المنهج» وبالتوازي مع هذا الخط كان منفعلاً بالمجال العام السياسي والدنيوي وله مداخلات وحوارات مطولة حول كل مستجدٍّ يجري في العالم، وما كان منعزلاً في قوقعة النظريات الكلية بل بقي محافظاً على مقالاتٍ وكتاباتٍ عن شؤون البشر اليومية، وكان لقوله أثرٌ مهم في متابعيه وتلاميذه، وقد انشغل بمفاهيم يوميّة كالسعادة والقلق وحاول تأسيس مفهومٍ للعيش والحياة.

لطالما مثَّلت علاقة الإنسان بالكينونة والوجود عموداً أصيلاً في بناء الفلسفة عبر العصور. لم تكن الرحلة نحو الإجابة سهلة، لا على موران ولا على الفلاسفة السابقين، ذلك لأن الإجابة عنها تستلزم خوض دروب وعرة كما هو تعبير هيدغر الشهير، وعبر العصور لم ولن يكون الإنسان مطمئناً، وإنما سيظلّ في حالة بحثٍ دائمةٍ عنها. ما من إجاباتٍ لحلّ هذه المعضلة، وإنما قصارى ما وصل إليه التفكير الفلسفي مجرّد مقارباتٍ ولكنها جدّية وضرورية. ثمة من ذهب نحو طريق اليأس أو القنوط، والبعض الآخر اختار طريق الحكمة وفهم العيش وأتقن قيادة حياته.

فكرة موران أنه من المستحيل خلق وصفةٍ سحرية قط من أجل الوصول لفكّ لغز القلق البشري تجاه ما يواجهه من تحدّيات، ولكن الأهم من كل ذلك ما فتحته تلك التحديات من أسئلة. الذروات التقنية القصوى الحاليّة أدّت بكثيرين إلى محاولة إنكار الحياة الذاتية بسبب محاولة تقليد حياة الآخرين. إن فكرة المقارنة مع الآخرين تنزع الحياة من طبيعتها، وهذا يتّضح في الموضات الإعلامية، والحالات السوشيالية التي تضع غشاوةً خطيرة تجعل الإنسان في حالة عنادٍ لإدراك ما يعيشه من نعيم، إنها «مأساة المقارنة» الجنونية.

مما يميز الفيلسوف موران أنه عاش كل التحوّلات خلال القرن الماضي، وبنى عليها فلسفته حول الحياة، بل أبدى ملاحظاتٍ أساسيّة حول الحياة الجديدة التي تُعاش الآن، وبخاصةٍ ما يتعلق بالتطوّر العلمي الرهيب، وثورة «الذكاء الاصطناعي».

من أهم مؤلفاته «الأحمق الغبي هو من لا يفكر» وهو مؤلَّف موسوعي من 100 جزء، ومن مؤلفاته أيضاً: «السينما أو الرجل الخيالي» و«وحدة الإنسان» و«الإنسان والموت»، ومن أهمها كتابه «المنهج».

على سبيل المثال؛ رأى موران في حوارٍ معه حول كتابه «المنهج»: «أن فكرة فن العيش قديمة، كرست فلسفات الهند والصين والعصور اليونانية القديمة نفسها لهذا البحث. إنها تقدم نفسها اليوم بطريقة جديدة في حضارتنا تتميز بالتصنيع والتحضر والتنمية وتفوق الكمّي. إن التطلع المعاصر إلى فن الحياة هو أولاً وقبل كل شيء رد فعل مفيد لأمراض حضارتنا، ومكننة الحياة، والتخصص المفرط، والكرونومتر. إن تعميم الشعور بالضيق، بما في ذلك داخل الرفاهية المادية، يثير، كردّ فعل، الحاجة إلى السلام الداخلي، والوفرة، والوفاء، أي التطلع إلى الحياة الحقيقية».

وحين سُئل عن مفهومه المتداول حول إصلاح الحياة أجاب بوضوح: «يجب أن يشمل إصلاح الحياة في الوقت نفسه اثنين من أعمق التطلعات الإنسانية التكميلية: التأكيد، (أنا) في الحرية والمسؤولية، وذلك الاندماج لـ(نحن) التي تؤسّس الاعتماد على الآخرين في التعاطف، والصداقة والحب. يشجعنا إصلاح الحياة على الانضمام إلى المجتمعات من دون أن نفقد أياً من استقلاليتنا».

تتعلق إحدى أولويات إصلاح الحياة برأيه أن يتعلم الإنسان أشكالاً جديدة من التواصل الاجتماعي؛ ما تسمى سياسة الرعاية والاهتمام بالآخرين هي جزء من المشاريع الكبرى لإصلاح الحياة.

الخلاصة؛ أنه برحيل موران ندرك أن وضع إجاباتٍ حاسمةٍ على المعضلات القائمة أمرٌ مستحيل، نعم هو علّمنا أن الإنسان أضاع زمنه ووجوده ووقته بغية إصلاح الآخرين، من دون إدراك مستوى الخراب في حياته. لبّ فكرة موران أن إصلاح الحياة قيمة وجودية عليا بغية صياغة مقاربةٍ للطمأنينة المنشودة. أما التباهي انطلاقاً من معيار مقارنة الذات بالآخرين فهذه هي الكارثة الكبرى. هذه فكرته الأساسية نحو حياة رشيدة صالحة، أما نظريّاته المعرفية الكبرى فيمكن قراءتها في مظانّها. رحل ورمى علينا أسئلته التي لم يُجِب عنها، وقال لنا إن الحكمة الدنيوية اليوميّة يمكنها أن تصقل التجربة النظريّة الفلسفية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحيل موران قرنٌ من الفلسفة والحكمة رحيل موران قرنٌ من الفلسفة والحكمة



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 04:19 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الحمل الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:18 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الحوت الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:41 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجوزاء الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:15 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الدلو الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:03 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد العقرب 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:49 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج السرطان الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 06:32 2026 الأربعاء ,15 تموز / يوليو

السعودية تمدد إغلاق مطارات أبها وجيزان ونجران

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt