توقيت القاهرة المحلي 00:52:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ضد قراءة نيتشه في الطائرة

  مصر اليوم -

ضد قراءة نيتشه في الطائرة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لم يكنِ الأستاذُ الراحلُ مطاع صفدي مزّاحاً فيما يتعلَّق بالفلسفة والمعرفة وساحات العلوم؛ بل كانَ في غاية الجدّية والحزم والصرامة.

حين قابلتُه كانت دراسته: «هيدغر وبراءة الصيرورة» للتو قد طُبعت. ومع النقاش حولها تأمّل معنا في فكرة هيدغر عن نيتشه وتبحّر فيها. ختم قوله إنَّ من لم يقرأ دراسة مارتن هيدغر أولاً ثم جيل دلوز ثانياً عن نيتشه لن يصل إلى عمق الفلسفة النيتشوية. وعدّ دراسة هيدغر هي الأهم على الإطلاق.

الآن البعض يقرأ بضع قصائد مأساوية عادية من ديوان ثانوي لنيتشه بالطائرة، ثم يشبّه نفسه به. مع تباهٍ عارم واغتباط بالجهل.

سبب كل ذلك ما جرّته بعض الحالات السوشياليّة والإعلامية علينا من ويلات. مناخات تزييف تسرّع من ظهور البعض بزيّ الفلسفة والأدب والثقافة والسياسة من دون أي منتجٍ متميز، ولا بحثٍ مكتوب، ولا كتاب مشهود... قصارى ما لديهم مجموعة من الإنشاء العابر والكلام السائر والظهور الممل.

لم تكن لدى نيتشه فلسفة سياسيّة، رغم كل ما قِيل عن جدل النازية، ولهذا بحث يطول. وإنما كانت لدى نيتشه مجموعة من الأفكار الأساسيّة فيما يتعلّق بالمجتمع وتطوّره متأثراً بالداروينية العلميّة التي بوّبها فلسفياً، ومن ثم فُهمت سياسياً، وبسبب تفسير أخته لكتاباته حول الإنسان الأعلى تبنّت بعض المؤسسات النازيّة ذلك التأويل. لقد كان هيدغر أكثر تورّطاً بالسياسة من نيتشه؛ إذ انخرط -وإن من مكانٍ قصيّ- بالنازيّة، وكُتب عن هذا الموضوع عشرات الدراسات.

القصد أن نيتشه لم تكن لديه نظرية سياسية شاملة على طريقة أفلاطون أو أرسطو أو روسو أو هوبز أو كانط أو هيغل، بل كانت فلسفة مركزيّتها تدور حول الإنسان المتفوّق.

قرأتُ قبل أيام ما كتبه «بوطرفة أيمن» بعنوان: «مفهوم السياسة الكبرى في فلسفة نيتشه السياسية»، خلاصة قوله كالآتي: «ينطلق نيتشه من نقد الحداثة السياسية، حيث قادت إلى انتشار الأفكار الديمقراطية والاشتراكية وما يسميه نيتشه المساواة العدمية، ونموذج الدولة-الأمة، التي تنتمي إلى ما يسميه نيتشه السياسة الصغرى. وعلى النقيض يقترح نيتشه فلسفة سياسية تقوم على مفهوم السياسة الكبرى حيث الدعوة إلى سياسة أكثر توسعية وأكثر انفتاحاً أيضاً. فتظهر دعوة نيتشه لمشاريع من مثل الوحدة الأوروبية، ومفهوم الإنسان الأسمى».

لم يكن نيتشه فيلسوفاً سياسياً قط؛ وإنما رُبط اسمه بالسياسة، بسبب نظريته حول الإنسان الأعلى أو المتفوّق هذا، مع أنه انتقد الفكر السياسي الغربي، كما يرصد رودولف شتاينر في كتابه: «نيتشه مكافحاً ضد عصره»، وقد كتبتُ عن هذا الكتاب من قبل.

بيد أن المفهوم الأساسي لنيتشه هو المخاطرة المضادّة للرمادية الجبانة؛ تلك المنطقة التي شنّع عليها نيتشه وحاربها بكل أسلحته قوة. وهو مفهوم بُحث في مجال الفلسفة السياسية. في بدء كتابه «هكذا تكلم زرادشت» يكتب: «إن العبور للجهة المقابلة مخاطرة، وفي البقاء وسط الطريق خطر، وفي الالتفات إلى الوراء، وفي كل ترددٍ، وفي كل توقفٍ خطر في خطر»، فلسفة الخطر لدى نيتشه حيويّة وساخرة وقصدها وجودي بحت.

ورغم عدم طرح نيتشه نظرية سياسية فإن من السياسيين من تأثر به. يروي عبد الرحمن بدوي، في مذكّراته «سيرة حياتي»، أنه حين نشر كتابه «نيتشه» عام 1939 قرأه جمال عبد الناصر، وحين قرأ عبارة: «لكي تجني من الوجود أجمل ما فيه عِش في خطر»، أثّرت فيه هذه العبارة أيّما تأثير.

ربما كان التنازع الطويل والمحتدم بين المؤرخين للفلسفة حول تأثير فلسفة نيتشه على الأحزاب الشمولية الاستئصالية، مثل النازية، يعود إلى هذا الحشد الفلسفي نحو «المخاطرة» والوقوف بوجه الوجود، هذا فضلاً عن آرائه الحادة تجاه اليهود، والضعفاء الذين يشكّلون عبئاً على قشرة الأرض، كما يقول في أكثر من كتابٍ له، غير أن هذا لا يعطي المسؤولية النيتشوية عن أي تيارٍ أو حزب دموي، ربما التأويلات التي سُيّست لاحقاً، خصوصاً مما جمعتْه أخته، سبب كل ذلك الشغب عليه.

الخلاصة؛ أن الحالة السوشيالية التي تحاول اختطاف المفهوم الفلسفي، وتتغطّى بالظهور الإعلامي الناقص، لا يمكنها أن تبوّب ولا أن تُفهم، فضلاً عن أن تشرح المفاهيم الكبرى التي اشتغل عليها الكبار.

نيتشه ليس فيلسوفاً سياسياً؛ إنه أشمل من ذلك بكثير... إن فلسفته أكبر وأعقد من أن يقرأها شخصٌ في الطائرة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ضد قراءة نيتشه في الطائرة ضد قراءة نيتشه في الطائرة



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt