توقيت القاهرة المحلي 10:57:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ضد قراءة نيتشه في الطائرة

  مصر اليوم -

ضد قراءة نيتشه في الطائرة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لم يكنِ الأستاذُ الراحلُ مطاع صفدي مزّاحاً فيما يتعلَّق بالفلسفة والمعرفة وساحات العلوم؛ بل كانَ في غاية الجدّية والحزم والصرامة.

حين قابلتُه كانت دراسته: «هيدغر وبراءة الصيرورة» للتو قد طُبعت. ومع النقاش حولها تأمّل معنا في فكرة هيدغر عن نيتشه وتبحّر فيها. ختم قوله إنَّ من لم يقرأ دراسة مارتن هيدغر أولاً ثم جيل دلوز ثانياً عن نيتشه لن يصل إلى عمق الفلسفة النيتشوية. وعدّ دراسة هيدغر هي الأهم على الإطلاق.

الآن البعض يقرأ بضع قصائد مأساوية عادية من ديوان ثانوي لنيتشه بالطائرة، ثم يشبّه نفسه به. مع تباهٍ عارم واغتباط بالجهل.

سبب كل ذلك ما جرّته بعض الحالات السوشياليّة والإعلامية علينا من ويلات. مناخات تزييف تسرّع من ظهور البعض بزيّ الفلسفة والأدب والثقافة والسياسة من دون أي منتجٍ متميز، ولا بحثٍ مكتوب، ولا كتاب مشهود... قصارى ما لديهم مجموعة من الإنشاء العابر والكلام السائر والظهور الممل.

لم تكن لدى نيتشه فلسفة سياسيّة، رغم كل ما قِيل عن جدل النازية، ولهذا بحث يطول. وإنما كانت لدى نيتشه مجموعة من الأفكار الأساسيّة فيما يتعلّق بالمجتمع وتطوّره متأثراً بالداروينية العلميّة التي بوّبها فلسفياً، ومن ثم فُهمت سياسياً، وبسبب تفسير أخته لكتاباته حول الإنسان الأعلى تبنّت بعض المؤسسات النازيّة ذلك التأويل. لقد كان هيدغر أكثر تورّطاً بالسياسة من نيتشه؛ إذ انخرط -وإن من مكانٍ قصيّ- بالنازيّة، وكُتب عن هذا الموضوع عشرات الدراسات.

القصد أن نيتشه لم تكن لديه نظرية سياسية شاملة على طريقة أفلاطون أو أرسطو أو روسو أو هوبز أو كانط أو هيغل، بل كانت فلسفة مركزيّتها تدور حول الإنسان المتفوّق.

قرأتُ قبل أيام ما كتبه «بوطرفة أيمن» بعنوان: «مفهوم السياسة الكبرى في فلسفة نيتشه السياسية»، خلاصة قوله كالآتي: «ينطلق نيتشه من نقد الحداثة السياسية، حيث قادت إلى انتشار الأفكار الديمقراطية والاشتراكية وما يسميه نيتشه المساواة العدمية، ونموذج الدولة-الأمة، التي تنتمي إلى ما يسميه نيتشه السياسة الصغرى. وعلى النقيض يقترح نيتشه فلسفة سياسية تقوم على مفهوم السياسة الكبرى حيث الدعوة إلى سياسة أكثر توسعية وأكثر انفتاحاً أيضاً. فتظهر دعوة نيتشه لمشاريع من مثل الوحدة الأوروبية، ومفهوم الإنسان الأسمى».

لم يكن نيتشه فيلسوفاً سياسياً قط؛ وإنما رُبط اسمه بالسياسة، بسبب نظريته حول الإنسان الأعلى أو المتفوّق هذا، مع أنه انتقد الفكر السياسي الغربي، كما يرصد رودولف شتاينر في كتابه: «نيتشه مكافحاً ضد عصره»، وقد كتبتُ عن هذا الكتاب من قبل.

بيد أن المفهوم الأساسي لنيتشه هو المخاطرة المضادّة للرمادية الجبانة؛ تلك المنطقة التي شنّع عليها نيتشه وحاربها بكل أسلحته قوة. وهو مفهوم بُحث في مجال الفلسفة السياسية. في بدء كتابه «هكذا تكلم زرادشت» يكتب: «إن العبور للجهة المقابلة مخاطرة، وفي البقاء وسط الطريق خطر، وفي الالتفات إلى الوراء، وفي كل ترددٍ، وفي كل توقفٍ خطر في خطر»، فلسفة الخطر لدى نيتشه حيويّة وساخرة وقصدها وجودي بحت.

ورغم عدم طرح نيتشه نظرية سياسية فإن من السياسيين من تأثر به. يروي عبد الرحمن بدوي، في مذكّراته «سيرة حياتي»، أنه حين نشر كتابه «نيتشه» عام 1939 قرأه جمال عبد الناصر، وحين قرأ عبارة: «لكي تجني من الوجود أجمل ما فيه عِش في خطر»، أثّرت فيه هذه العبارة أيّما تأثير.

ربما كان التنازع الطويل والمحتدم بين المؤرخين للفلسفة حول تأثير فلسفة نيتشه على الأحزاب الشمولية الاستئصالية، مثل النازية، يعود إلى هذا الحشد الفلسفي نحو «المخاطرة» والوقوف بوجه الوجود، هذا فضلاً عن آرائه الحادة تجاه اليهود، والضعفاء الذين يشكّلون عبئاً على قشرة الأرض، كما يقول في أكثر من كتابٍ له، غير أن هذا لا يعطي المسؤولية النيتشوية عن أي تيارٍ أو حزب دموي، ربما التأويلات التي سُيّست لاحقاً، خصوصاً مما جمعتْه أخته، سبب كل ذلك الشغب عليه.

الخلاصة؛ أن الحالة السوشيالية التي تحاول اختطاف المفهوم الفلسفي، وتتغطّى بالظهور الإعلامي الناقص، لا يمكنها أن تبوّب ولا أن تُفهم، فضلاً عن أن تشرح المفاهيم الكبرى التي اشتغل عليها الكبار.

نيتشه ليس فيلسوفاً سياسياً؛ إنه أشمل من ذلك بكثير... إن فلسفته أكبر وأعقد من أن يقرأها شخصٌ في الطائرة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ضد قراءة نيتشه في الطائرة ضد قراءة نيتشه في الطائرة



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt