توقيت القاهرة المحلي 12:20:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التغيّر الإقليمي... وتحدّيات التحديث

  مصر اليوم -

التغيّر الإقليمي وتحدّيات التحديث

بقلم : فهد سليمان الشقيران

مع شدّة التحوّلات الإقليمية؛ وتفشّي حالة التآكل في مؤسسات وكيانات دول، يُطرح النقاش اليومي بشأن «النموذج المنشود»، خصوصاً بشأن إدارة الواقع المعيش، وتدبير شؤون الدنيا، وسوْس الناس، وإدارة مصالح الدولة.

البعض يتمسّك بأطروحاتٍ قديمة تعارض المدنيّة وتعادي النماذج التنموية... بل وترسخ لحُكم الآيديولوجيا ولزعامة الميليشيا ولمرجعية التنظيم.

في المقابل، يصرّ العقلاء والحكماء في البلدان المنكوبة على ضرورة استلهام التجربة البشرية في العصور القريبة والقديمة، واختبار ما تبقّى من مفاهيم فعّالة، ومن بينها مفهومٌ عتيد، وأعني به «الحداثة».

نعم، يمكن للحداثة بفضائها أن تسهم في خلق خياراتٍ اجتماعية وفكرية، وأن تكون شريكةً في رسمٍ تحوّل مشرق. وحدها «الحداثة» قادرة على فكّ شيفرة التأقلم مع الدنيا، وطرح وسائل أفضل مدنيّةً للعيش داخل صرعات العلم وامتداد العالم.

و«الحداثة» تشرح نفسها تبعاً لتبيئتها في أي مجتمع، فهي ليست نموذجاً متكاملاً مقدّساً، وإنما لها عناوينها الرئيسية. من الطبيعي تجدد النقاش بشأن سؤال «الحداثة»؛ وهل هي «حالة أوروبية» أم يمكن لدولٍ شرقيّة أن تستفيد من مخرجاتها وفتوحاتها؟!

لعلّ أبرز من لخّص هذه الفكرة وبشكلٍ متميز الأستاذ جورج طرابيشي، وخلاصة فكرته بشأن تبيئة «الحداثة» كالتالي:

يعدّ طرابيشي أن «الحداثة، ابتداء من الربع الأخير من القرن الثامن عشر، لم تَعُد أوروبية خالصة... فقد بات لها، منذ حرب الاستقلال، امتداد أميركي، مثلما سيكون لها، بعد عصر الميجي في اليابان، امتداد آسيوي. ولكن هذه الامتدادات، التي تنحو إلى أن تكون عالمية أكثر فأكثر، لا تلغي واقعة التطابق الفريد بين (الحداثة) و(أوروبا). فعلى مدى قرون ثلاثة على الأقل، بقيت الحداثة واقعة جغرافية، أي محصورة في أوروبا».

ثم يحلل بأن «هذا الانبثاق التاريخي للواقعة الجغرافية الأوروبية بتوسّط الحداثة هو ما جعل عمانويل تود، المؤرخ والأنثروبولوجي والسوسيولوجي الفرنسي المعاصر، يختار لدراسته عنوان (اختراع أوروبا 106). فلكأن أوروبا لم تكن، بمعنى من المعاني، موجودة قبل القرن السادس عشر».

بل يرى أن «الحداثة نتاج مركّب ساهمت فيه، فضلاً عن الأقطار الأوروبية الثلاثة الكبرى، الأمم المتوسطة الحجم مثل إيطاليا، والصغيرة الحجم مثل هولندا والسويد. بل إذا أخذنا في (الاعتبار) أن الثورة التعليمية اقترنت، (كشرط وكنتيجة) معاً، بثورة لاهوتية، فسنلاحظ أن دور الأمم الأوروبية الصغرى في مولد الحداثة كان فاصلاً: فهولندا وسويسرا والسويد كانت من المراكز المتقدمة للثورة البروتستانتية».

ولا ينتهي طرابيشي عند مفهوم «الحداثة»؛ بل عرَض لمفهوم لم يأخذ طريقه إلى التبيئة وهو «العلمانية»؛ المصطلح الذي ما فتئ يُعامل - كما يقول - منذ لحظة اكتشاف وجوده، معاملة «القريب الفقير».

ويمكنني أن أعلّق على تحليل طرابيشي بنقطتين منطلقتين من الواقع الحالي:

الأولى أن «الحداثة» ليست لغزاً أو سحراً، بل هي ماثلةٌ أمامنا في تطبيقات الدول التنمويّة الصاعدة؛ حداثة في القوانين التي تتماشى مع تطوّر العصر، والتعددية الدينية، والتنوّع العرقي والإثني، ومن ثم حداثات أخرى على مستوى الطبابة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمران، وحداثة اجتماعية تؤسس لنمطٍ محكم يوائم بين الإرث المحمود، وينخرط بقوّة في فتوحات الحداثة والتجديد.

والنقطة الثانية أن «الحداثة» ليست خطّة هندسية، ولا معادلة رياضية، ولا نظرية فيزيائي. إن أفضل تعريفٍ لـ«الحداثة» هو ألا تُعرّف. ما من تعريفٍ متفَق عليه، والتخويف منها فيه جورٌ وجهل، فالحداثة في سنغافورة غيرها في إيطاليا، وفي كوريا الجنوبية غير الحداثة في فرنسا... وهكذا.

الخلاصة أن القلق المنتشر حالياً لدى بعض المجتمعات في الإقليم بشأن «النموذج المقبل» يجب أن يحلّ في درس تجارب الدول القريبة والبعيدة. وأتيتُ بمفهوم «الحداثة» هنا لأثبت أن ثمة مفاهيم لا تزال «شغّالة» وفاعلةً يمكن أخذ الطاقة التنموية منها، والقلق بشأن «النموذج المقبل» لدى الدول المنكوبة طبيعي، ولكن الخطر في الركون إلى نماذج أحادية، أو إلى آيديولوجيات ظلامية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التغيّر الإقليمي وتحدّيات التحديث التغيّر الإقليمي وتحدّيات التحديث



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt