بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
قليلُ من يهتمون بإدراج فترات طفولتهم وذكرياتهم الصغيرة فيها عندما يكتبون سيرهم الذاتية. المعتاد أن يطغى العام على الخاص فى هذه السير, فيبدو كاتب سيرته أحيانًا كما لو أنه وُلد كبيرًا. وعندما يهتم الشخص العام بحياته الخاصة فهو يمر عليها مرورًا سريعًا فيما يُخصص معظم النص، أو كله إلا قليلاً، للجوانب المتصلة بالجوانب العامة. ومن شأن هذا المنهج أن يُفقد السيرة الذاتية تكاملها، ويحول دون تكوين صورة موضوعية عن صاحبها خاصةً من زاوية أثر فترة طفولته فى تكوينه وعلاقتها بمراحل حياته التى يروى ما فعله أو ما حدث له فيها.
ولذا تبدو سيرة الأديب البرتغالى الكبير جوزيه ساراماجو، الذى رحل قبل 15 عامًا، استثناء لا أعرف له مثيلاً فى حدود معرفتى. فقد خصص هذه السيرة، التى نُشرت قبل أربعة أعوام من رحيله، لفترة طفولته التى لم يكن أحد يعلم شيئًا عنها، وسماَّها «الذكريات الصغيرة». وقد نُشرت ترجمتها العربية الأولى، التى أنجزها أحمد عبداللطيف، بواسطة الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2009.
عنوان السيرة يوحى بأنها تضم ما لا أهمية له فى حياة ساراماجو مادام اعتبره صغيرًا فى العنوان الذى اختاره لها. ولكن قارئها يجد فيها ما لا يقل أهمية عن حصول كاتبها مثلاً على جائزة نوبل فى الآداب عام 1998، وغيره من الأحداث الكبيرة فى حياته. اعتمد ساراماجو على الذاكرة كما يتضح من سياق السيرة الغنية التى تقتصر على السنوات الخمس عشرة الأولى فى حياته. ويروى ذكريات طفولته الأولى فى قرية أزينهاجا الصغيرة والفقيرة التى عاش فيها سنتين انتقل بعدهما مع أسرته إلى لشبونة، ولكنه كان يعود إليها فى العطلة الصيفية. ويروى، وقد غاص فى أعماق ذاكرته، بعض تفاصيل مغامراته الطفولية فى حدود ما يستطيع تذكره. ولم يخجل من الحديث عن صعوبات طفولته وفقر أسرته وفشله فى أن يحترف الصيد بخلاف بعض أقرانه.
والحال أنه بدون التفاصيل الصغيرة التى رواها لا يتيسر فهم كيف وصل ساراماجو إلى ما بلغه وصار أحد أكبر الروائيين وأكثرهم شهرة فى العالم.