توقيت القاهرة المحلي 23:56:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفاتيكان... والصوم في ظلال رمضان

  مصر اليوم -

الفاتيكان والصوم في ظلال رمضان

بقلم:إميل أمين

في عالم تتسارع فيه المسارات نحو المادية والاستهلاك، يأتي شهر رمضان، شهر الصوم والعبادة، ليذكر البشرية بحقائق خالصة من الروحانية، التي تسمو بالنفس البشرية فوق التيارات المعاصرة، ليضحى الصوم فعل مقاومة إيمانية ضد طغيان الجسد، وسطوة شهوات النفس.

يجمع الصوم الصائمين، من كل الملل والنحل، لا سيما أنه ينقل بشريتنا المعذبة من دائرة الأنانية الشخصانية، إلى رحاب إيثار الغير، ما يجعل من الجوع الطوعي مقدمة لتحول وجودي.

قبل بضعة أيام، وكعادة حاضرة الفاتيكان، أصدرت دائرة الحوار بين الأديان، رسالتها الأولى في حبرية البابا ليو الرابع عشر، والموجهة إلى العالم الإسلامي في كل بقاع وأصقاع المسكونة.

يأتي صوم الشهر الفضيل هذا العام، مواكباً لزمن الصوم الكبير الذي يسبق عيد الفصح، ما يخلق جسراً مؤكداً للحوار، ويزيل كثيراً من الجدران.

الرسالة جاءت على لسان عميد دائرة الحوار الكاردينال جورج جاكوب، وأعرب فيها عن تهنئة الكرسي الرسولي للمسلمين المؤمنين، أولئك الذين يؤمنون بـ«الله الواحد الأحد، الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماوات والأرض»، ذلك المقطع الثمين المأخوذ من وثيقة «في حاضرات أيامنا» الصادرة عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، عام 1965، والتي لا تزال تعدّ فتحاً كبيراً في علاقات العالم المسيحي بالإسلام والمسلمين.

يقول الكاردينال جورج في كلمته: «هذا العام، وبعناية إلهية تجلت في تقارب التقويمين، يعيش معكم المسيحيون في الوقت نفسه، زمن الصوم الكبير، وخلال هذه المرحلة الروحية المكثفة، نسعى جميعاً إلى اتباع إرادة الله بأمانة أعمق. وتتيح لنا هذه المسيرة المشتركة أن نعترف بضعفنا الإنساني الأصيل، وأن نواجه التجارب التي تثقل قلوبنا».

تبدو رسالة دائرة الحوار، وكأنها صرخة تشق عنان سماء المادية التي تخيم على عالمنا المعاصر، حيث عبادة الذات، وتكبر النفس البشرية، يدفعان الإنسانية من جديد، إلى مزالق الحروب والمواجهات الدموية، الأمر الذي يتكبد ثمنه الفقراء والبسطاء من أقنان الأرض.

يصف صاحب الرسالة أزمة العصر الحالي، بأنها أوقات ضبابية، تتزاحم فيها المعلومات والروايات ووجهات النظر المتباينة، ما يزيد من معاناتنا الوجدانية واليومية، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: كيف السبيل إلى المضي قدماً؟

يبدو الجواب من الصعوبة بمكان، لا سيما في ظل عالم تتقلص فيه مساحات الروح على حساب الجسد، ومن هنا تبدو عظمة الصوم الرمضاني والصوم الأربعيني، ذاك الذي يبدو أنه اقتران بين التجربة والتجلي، وبين الامتحان والانطلاق، على أرض غربتنا هذه.

تضع الرسالة يدها على مواضع الألم الكوني المعاصر، لا سيما حين يغري اليأس أو العنف بسلوكهما، أصحاب القرارات المصيرية، ما يجعل من فقدان الأمل استجابة طبيعية لعالم جريح، وساعتها يظهر العنف كأنه طريق مختصر نحو العدالة، متجاوزاً الصبر الذي يقتضيه الإيمان. غير أن كليهما لا يمكن أن يكون سبيلاً مقبولاً للمؤمنين. فالمؤمن الحق يثبت نظره على النور غير المنظور، أي على الله عز وجل، القدير والرحيم والعادل وحده. ويسعى بكل ما أوتي من قوة إلى العيش بحسب تكاليف السماء ووصاياها، والتي فيها وحدها رجاء الدهر الحاضر، والسلم الذي يتوق إليه كل قلب بشري.

في رمضان لا ينظر إلى الجسد بوصفه شراً، بل أمانة، والصوم ليس إلغاء للجسد، بل ترويض له. هذا هو فقه إعادة ترتيب الأولويات، إن جاز التعبير، بحيث لا يكون الإنسان عبداً لحاجاته البيولوجية أو النفسية، بل يكون متعالياً في أعلى عليين من القيم الروحية المابعد إنسانية.

الرسالة تحمل هذا العام دعوة للمسلمين والمسيحيين حول العالم، ومعهم جميع ذوي الإرادة الصالحة، من أصحاب المذاهب الوضعية، لاستشراف سبل جديدة وفتح آفاق متجددة للحياة... لكن السؤال كيف ذلك؟

هنا تبدو روحانية رمضان حاضرة، حيث الصوم ليس فقط عبادة فردية؛ بل دعوة للتضامن الجماعي في وقت المحنة المادية التي يعيشها عالمنا البائس.

يصبح الأمر ممكناً بفضل إبداع تغذيه الصلاة ويزكيه الصوم وتمدحه الزكاة، ما يجعل من جوع الصائم وسيلة لاستشعار ألم المحتاجين، وانكسار المحرومين، الأمر الذي ينقي السريرة ويصفي البصيرة.

تظهر الرسالة الأريحية التي أعلن عنها البابا ليو الرابع عشر منذ لحظات حبريته الأولى، والتي تتسم بالرغبة في الحوار الأخوي، وتعميق جذور الوئام والسلام حول العالم، عوضاً عن الكراهية والحروب.

تُختتم الرسالة بدعوة صادقة لأن يكون هذا الزمن المشترك من شهر رمضان المبارك والصوم الكبير، فرصة لتحول داخلي صادق، وحافزاً لعالم متجدد، تفسح فيه أسلحة الحرب المجال لشجاعة السلام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفاتيكان والصوم في ظلال رمضان الفاتيكان والصوم في ظلال رمضان



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - ناسا تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt