توقيت القاهرة المحلي 08:34:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العالم في «كولوسيوم» روماني

  مصر اليوم -

العالم في «كولوسيوم» روماني

بقلم : عبد الرحمن شلقم

القتل متعة والدم أهازيج يصفق له آلاف المتفرجين. القوة لا يراها المحكومون إلا في حلقات الصراع العنيف. هناك تتوالد الآهات التي تزخرفها ضربات التصفيق والصراخ والدموع. التاريخ مدرج يعجُّ بخزائن تبدع كلامها في زوايا الشعور واللاشعور. الغابرون من الملايين الذين عاشوا في أزمان مضت جسَّدوا ما كان في أيامهم بالحجارة والحديد في أبراج عالية وأهرامات ضخمة، وكتبوا بصور حفروها في صخور الجبال. الكلام والكتابة والحركة، خطوات فوق أديم الحياة التي لا تغفو. لكن الدم المسفوح فوق خريطة الزمن له لون واحد لا تغيره رياح الوجود.

روما التي وهبت اسمها لإحدى أكبر الإمبراطوريات في التاريخ، وامتدت سيطرتها من سوريا في الشرق إلى إنجلترا في الغرب، الإمبراطورية الرومانية، أبدعت أدوات قوتها وسيطرتها في داخل عاصمتها روما، وعلى امتداد أرض الإمبراطورية الواسعة. سدَّة الحكم حلبة مصارعة بين الأباطرة وأعضاء مجلس الشيوخ. في رأس كل إمبراطور، مدرَّج من حلقات العظمة والسيطرة، وأحلام الخلود. كرسي الحكم يعلو جميع الكراسي، مطعّم بالذهب وكل ما حوله تزينه نقوش يبدعها فنانون كبار. قبل أن ينكب الإمبراطور على ما يدور في مملكته المترامية الأطراف، يبدأ في النقاش مع أعوانه عن التمثال الذي سيشيد له. هل سيكون من النحاس أم البرونز أم الرخام، وكم سيكون حجمه وارتفاعه، وأين سينصب؟ القوة هي الأصابع التي يقبض بها الإمبراطور، على عنق البشر الذين يفوق عددهم المائة مليون، والأرض الأوسع فوق سطح الدنيا.

الثورات لا تهدأ إلا لكي تشتعل في مناكب أرض الإمبراطورية الواسعة. العسف والجوع والمرض وارتفاع الضرائب، ألقت بحطب النار على أرض الإمبراطورية. الجيوش الرومانية التي تضم الآلاف من المجندين، تضرب بالسيوف والرماح حشود الثوار في أوروبا وشمال أفريقيا وآسيا. القوة التي لا ترحم هي الصمغ الأسطوري، الذي يضمن وحدة الإمبراطورية وسيطرة روما.

لكل قوة سيطرة في التاريخ أدواتها وتجلياتها المتنوعة، يراها الناس ويسمعونها أحياناً من بعيد وأخرى من قريب. عظمة السيطرة يعبر عنها عنف السلاح ودفق الدماء وأكوام القتلى، وضخامة وفخامة المعمار أيضاً.

في بداية القرن الأول الميلادي كانت الإمبراطورية الرومانية سيدة الدنيا، والكيان الأقوى على وجه الأرض. ساد في عاصمتها روما صراع مزمن على الكرسي الأعلى. تداول عليه أقوياء وضعفاء وحكماء ومجانين. الإمبراطوران كاليغولا ونيرون، حفرا اسميهما وفترة حكمهما على مسلَّة التاريخ الروماني، بمسمارين من الجنون والدم. الأول كاليغولا أعلن نفسه إلهاً، وصار رمزاً للاستبداد والجنون، وانتهى مقتولاً في داخل قصره، والآخر نيرون قتل أمه وزوجته، وأستاذه الحكيم سينكا، وأحرق روما ومات منتحراً. الاستبداد ابن الجنون، ووباء القوة المطلقة، ينسج إهاب العظمة التي تبدع خناجر النهايات الدموية.

في قلب مدينة روما يرتفع واحد من أكبر وأشهر المباني الأثرية التاريخية. مدرّج الكولوسيوم العظيم. بُني في سنة 80 ميلادية، محيطه الخارجي 530 متراً، وارتفاعه 50 متراً، ويتسع لأكثر من 50 متفرجاً. تُقام فيه عروض للمصارعة. هذا المدرج الروماني يجسّد زمناً إنسانياً لا يرحل، وحالة بشرية لا تغادر العقول والسلوك.

بنو البشر يبنون صرحاً للقتل العنيف. رجال ونساء وحيوانات شرسة، يدخلون من أبواب محددة، إلى صرح الكولوسيوم الواسع الشاهق، لتدور معارك من نوع غير مسبوق. سجناء وعبيد يحملون سيوفاً وخناجرَ وشباكاً ورماحاً، يواجهون بعضهم في منازلات، تنتهي بقاتل وقتيل. أسود ونمور وتماسيح تجلب من أفريقيا ليصارعها العبيد والأسرى والمحكوم عليهم بالإعدام على أرض المدرج الرهيب. يجلس الإمبراطور وإلى جانبه الإمبراطورة، وحوله أعضاء مجلس الشيوخ، وبقية فئات الشعب يجلسون على المدرّج وفقاً لمراتبهم الاجتماعية والطبقية. تبدأ المواجهات العنيفة بين المتصارعين، بعضها يطول وأحياناً تكون النهايات سريعة. الصراخ والتصفيق وقوفاً وجلوساً، تشجيعاً لمصارع يواجه أسداً أو نمراً، وآخر يلقي شبكته على غريم عملاق يطوف حوله. عيون حكم المصارعة لا تبتعد عن الإمبراطور الجالس على كرسيه العالي، بحركة من إبهامه يصدر حكماً نهائياً على إحدى المواجهات، يأمر بالعفو عن أحد أو يعطي الإشارة بالإجهاز النهائي عليه.

اليوم ونحن نشاهد النقل الحي على شاشات التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مهرجانات القتل والدماء والدمار، في بقاع مختلفة من العالم، قصف بالطيران والمدافع والصواريخ والطائرات المسيرة. نرى أجساد النساء والأطفال والعجائز، مقطعة تحت أكوام المباني المدمرة. قنوات مرئية تصفق وتهلل وتبارك، لمن يرونهم منتصرين، وأخرى تذرف دموع الألم والحزن. زعماء يرفعون صوت التهديد والوعيد، وآخرون يفاوضون ويراوغون. يصبح المشهد العالمي من أدناه إلى أقصاه، مدرَّج كولوسيوم روماني حياً، حيث القتل والدم والصراخ، محفل للهو واللغو. لكن غالبية الجمهور لا تعلم أن من الكولوسيوم الروماني ولد قائد الثوار سبارتكوس ضد الإمبراطورية، الذي لم يكن من بين المصارعين في المدرّج، لكن الأسطورة حولته إلى المصارع الذي صرع جنون الظلم الروماني الدموي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العالم في «كولوسيوم» روماني العالم في «كولوسيوم» روماني



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 07:12 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

روبوت ذكي جديد يحدد الأشجار العطشى بدقة مذهلة
  مصر اليوم - روبوت ذكي جديد يحدد الأشجار العطشى بدقة مذهلة

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt