لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين , وربما من الشعراء, أن احتفى بالبيوت , في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل , كما فعل غاستون باشلار . ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي , لم ير الى البيوت بوصفها هندسة جمالية " موضوعية " , أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه , بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية , والحارس الأوفى لخزائن الذكريات , والينبوع المتجدد للألفة الدافئة .
على أن أهل الجنوب اللبناني , الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الاسرائيلي , الى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن , لم يكن عليهم قراءة باشلار , لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن , التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم , وضوء عيونهم , وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات . ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت , قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً , سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق , أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب .
واللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة , بحثاً عن فرص أفضل للعيش, كانوا يضعون في رأس أولوياتهم , بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات , يحولونها عندما يعودون الى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين , وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت . وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة , الذي يمتد من الناقورة الى العرقوب, قد بدا من بعض نواحيه , ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية , إلا أن مبالغة " جنوبيي الجنوب " في الاعتناء المفرط بالبيوت , التي أحاطوها بالحدائق والأسوار , لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب, , بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء , وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال .
إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب , وكل ما فعلوه لتضليل اليأس , وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة , سرعان ما حولته أسلحة الفتك الاسرائيلي الى ركام . وحيث حسبوا واهمين أن ما كابدوه عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال , لم يكن كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان , فقد بدت الحروب التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل , مجرد " بروفات " تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة , التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية للعدو , بمحو القرى من جذورها , والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة .
أما شعار " حرب الحضارة على البربرية " , الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي , فقد تم رفعه على نحو معدّل , لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب , بل لكي تسوّى بالأرض , شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد . والأدلّ على ذلك , هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية , وبيوتات العلم والأدب , كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها , بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري .
وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف , التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين , يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية , فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي , الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره , وتسليمه للعراء الكوني .
ففي مدينة الخيام , التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً , لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها , هي التي تعرضت للقصف , بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال , راح يطال في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير , ومؤسساتها التعليمية , ودور عبادتها , ومراكزها الفكرية التنويرية , إضافة الى ما خلّفه أهلها من الذكريات , ورساموها من الألوان , وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد .
أما مدينتا النبطية وبنت جبيل , وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه , فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي , حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً , بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلا المدينتين الى ركام , بل راحت تستهدف في الوقت نفسه, المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية, والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة , التي حوّلها أصحابها الى مزارات .
ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير , أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات .
وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام , قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان , ولا شفع لها وضعها من قبل اليونسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية , فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة , لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها , وأبنيتها المملوكية , وصولاً الى آثارها العريقة التي يعود تاريخها الى العصرين الفينيقي والروماني .
كما أن حرص الإسرائليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم , هو الذي دفعهم على الأرجح الى جعل الجميع سواسية , في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة , حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته , بين غني وفقير , "متورط " وبريء , مغترب ومقيم , مثقف وأمي . لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب , عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم , براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة .
وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها , من المبدعين الجنوبيين , فيكفي أن أذكر في هذه العجالة , المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين , والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية , والتي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود . وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية , وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته , قبل أن تحولها الطائرات الى كومة من الأنقاض . وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين , خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه , كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيناتا , ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل .
ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً , على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي , في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين , إلا أن ثمة وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل , , نصوصاً ولقىً وشذرات, استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤيا , الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن , وبينها قصيدة " البيوت ", التي أهداها عباس بيضون الى صديقه المؤرخ منذر جابر , وجاء فيها :
البيوت لا تموت مرة واحدة
إنها تعيش بالساعة
ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان
تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام
نصل إليها أرواحاً
وسرعان ما نذوب في الهواء
ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة , هو مقطع معبّر من قصيدة " بيت الريح ", للشاعر الفرنسي لوي غوليم , الذي بدا لقوة بصيرته , ورهافة إصغائه الى المستقبل , وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب, التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي الى أثر بعد عين , فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين :" طويلاً بنيتك أيها البيت . مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض , حتى أعالي جدرانك . لقد رأيت سطحك يصقله الزمن , متغيراً كالبحر , يرقص على خلفية من الغيوم . يا بيت الريح , أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة "
•شوقي بزيع شاعر وكاتب لبناني
أرسل تعليقك