توقيت القاهرة المحلي 08:52:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

  مصر اليوم -

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

بقلم : عبد الرحمن الراشد

ميدانياً، شرعَ النّظامُ الإيرانيُّ في تنفيذِ جزءٍ من تهديداتِه بتوسيعِ رقعةِ الصّراعِ عبرَ إشعال جبهتين حدوديتينِ جديدتين: الأولَى في جنوبِ البحرِ الأحمر، من خلالِ التَّهديد بإغلاقِ «مضيقِ باب المندب» عبر الحوثيين، والثَّانية في شمالِ الخليج العربي عبرَ التَّهديداتِ المباشرةِ وغير المسبوقة تجاهَ الكويت.

إنَّ خطورةَ هذا التَّحوُّلِ لا تقتصر على الكويت أو البحر الأحمر، بل تمتدُّ إلى مجملِ منظومة الأمن الإقليمي. فإيرانُ لم تعدْ تحصر المواجهةَ في أطرافها الأصليَّة، أي مع الولايات المتحدةِ وإسرائيل، وإنَّما باتت تنقلُ الصّراع إلى دولِ الجوار والممراتِ الاستراتيجية. وهذا السُّلوك لا يمثّلُ ردَّ فعلٍ دفاعيّاً بقدرِ ما يعكسُ اتّجاهاً استراتيجياً ظلَّ المشروعُ العسكريُّ الإيرانيُّ يَبنيهِ منذ عقود، وهو قائم على توسيعِ النفوذ والسيطرةِ الجيوسياسية على الدّول المحيطة.

ويستحقُّ ما يصدرُ عن المؤسساتِ الإيرانية الاهتمامَ، حيث زادت حدَّةُ التهديدات ضد الكويت. «وكالة تسنيم» أصدرت بياناتٍ تشبه تماماً بياناتِ بغدادَ التي سبقتِ الغزوَ العراقيَّ للكويت عام 1990. تتذرَّعُ طهرانُ بالوجود العسكريّ الأميركيّ المحدودِ في الكويت، باعتباره مبرّراً للهجوم، وهو يتجاهلُ حقيقةَ أنَّ هذا الوجودَ يعود إلى عقود، ويؤدي أساساً وظيفةً ردعيةً ضد أيّ غزوٍ محتمل، ولم يكن قاعدةً رئيسيةً في العملياتِ الأميركيةِ الأخيرة ضد إيران.

السؤالُ المطروحُ اليومَ: كيف للكويت، ومعها دولُ الخليج، التَّعاملُ مع هذا التَّهديد؟

التَّحدّي يتجاوز القدراتِ الوطنية المنفردة، ويستدعي العودةَ إلى مفهوم العملِ الجماعي، عبرَ بناءِ جبهةٍ إقليميةٍ متماسكة، مدعومةٍ بتحالفٍ دولي يرفض بصورةٍ واضحة أيَّ ذرائعَ لتوسيعِ الحربِ أو شرعنةِ الاعتداء على الدول المجاورة. وقد لا يكون متوقعاً من واشنطن، في ظلّ انشغالها بإدارة المواجهة العسكرية، أن تقودَ المبادرةَ الدبلوماسية، إلا أنَّ بإمكانها رسمَ خطوطٍ حمراء واضحة تؤكد أنَّ أمنَ الخليج وممراتِه البحرية يدخل ضمن مصالِحها الاستراتيجيةِ العليا. فإيران لم تكتفِ بالتَّهديد اللفظي للكويت، بل كرَّرت قصفَها لمنشآت المياه والكهرباء، ووسَّعت دائرة التَّهديد لتشملَ البحرين أيضاً.

ويبدو أنَّ طهرانَ تدرك أنَّ تشديدَ الحِصار البحري على موانئِها، واحتمالَ اتّساعِ العمليات الأميركية على سواحلها، قد يفقداها نفوذَها على «هرمز»، أهمّ أوراق الضغط التي استخدمتها في الحربِ والمفاوضات. لذلك فهي تحاولُ إنتاجَ أوراقٍ بديلة؛ من بينها تحويلُ «باب المندب» إلى نقطةِ ابتزازٍ استراتيجية عبرَ الحوثيين، والسعي إلى فرضِ واقعٍ أمنيّ جديدٍ في شمال الخليج، في محاولةٍ تستحضرُ، وإن اختلفت الظروف، بعضَ ملامحِ سياسة فرض الأمرِ الواقع التي اتَّبعَها نظامُ صدام حسين عام 1990.

ويُلاحظ أنَّ السلوكَ الإيرانيَّ بات يتكرَّرُ، إذ إنَّه كلَّما خسرت ورقةً استراتيجية، سارعت إلى فتحِ جبهة جديدة لإعادةِ إنتاج أدواتِ الضغط والابتزاز. ولتقليلِ التكلفةِ السّياسية والقانونية، ولتجنُّبِ الظّهور كدولةٍ معتديةٍ بصورة مباشرة، يُرجَّحُ أن تعتمدَ بصورة أكبر على وكلائِها الإقليميين، مثل الميليشيات اليمنية والعراقية.

ما احتمالاتُ نجاحِ هذا التَّموضع الإيرانيّ الجديد؟

الإجابةُ ليست سهلة، لأنَّ تحليلَ السلوك الإيراني لا يمكن أن يستندَ فقط إلى افتراضات العقلانية التقليدية. فالقيادةُ الإيرانيةُ تواجه أيضاً معادلاتٍ داخليةً معقدة، وتخشَى أن يؤدّيَ أيُّ انطباعٍ بالهزيمة إلى اهتزاز وضعها داخلياً، بعد أن أنفقت لعقودٍ مواردَ البلاد في بناءِ القدراتِ العسكرية وتمويلِ الحروب.

ويبدو أنَّ الحوثيين في اليمن أوكلت إليهم مهمة تحويل «باب المندب» إلى البديل العملياتي لمضيق هرمز مع تراجعِ قدرة إيرانَ على استخدام الأخير كورقةِ ضغط، بفعلِ الهجمات العسكرية الأميركية. ومع اندفاعِ الحوثيين فعلاً نحو تهديد الملاحة، فمن المرجَّح أن تجدَ القوى اليمنية، ومعها التحالفُ بقيادة المملكة العربية السعودية، مساندةً إقليميةً ودولية لمنع تعطيل أحدِ أهمّ شرايين التجارة العالمية.

ولا يقتصر الردُّ المتوقَّعُ على البعد العسكري، بل قد يكون المجالُ الدبلوماسي أكثرَ اتّساعاً في هذه الجبهة تحديداً. فالدولُ الكبرى المعتمدةُ على الملاحة في البحر الأحمر، وفي مقدمتها الصينُ والهند، إضافة إلى الدول الأوروبية، تمتلك مصلحةً مباشرةً في ضمانِ حرية الملاحة. ومن ثمّ فإنَّ أيَّ تحركٍ عسكري يستهدف إنهاءَ تهديد الحوثيين للممر البحري، قد يحظى بإجماعٍ دوليّ أوسع، لأنَّه سيكون دفاعاً عن مبدأ حرية الملاحةِ الدولية، وليس امتداداً للحرب الدائرة في الخليج.

وفي جميعِ الأحوال، فإنَّ بناءَ هذا التَّكتل الإقليمي والدولي لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبحَ ضرورة استراتيجية، ليس فقط لمواجهة التهديدات الراهنة، وإنَّما أيضاً للتعامل مع أي ترتيبات قد تفرضها مخرجاتُ الحربِ مستقبلاً. فإيران لا تسعى إلى إدارة أزمة مؤقتة فحسب، بل تحاولُ إعادةَ رسمِ الخريطة الاستراتيجية للمنطقة وفق سرديَّتِها الجديدة، بحيث تخرج من الحربِ حتى لو توقفت مبكراً بمناطقِ نفوذٍ وقواعدِ اشتباك مختلفةٍ عن التي كانت قائمةً قبل الحرب. ومن هنا، فالنّقاش لم يعد يدورُ حول كيفية إنهاءِ الحرب فحسب، بل حولَ شكلِ النّظام الإقليمي الذي سيتشكَّلُ تالياً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt