واشنطن ـ مصر اليوم
رغم أن فيروس الإنفلونزا يعد من أكثر الفيروسات التي درسها العلماء على مدى عقود، فإنه ما زال يكشف عن أسرار جديدة حول الطريقة التي يستولي بها على الخلايا البشرية ويحولها إلى مصانع لإنتاج المزيد من الفيروسات ، واليوم نجح باحثون من المختبر الأوروبي لعلم الأحياء الجزيئي (EMBL) في رسم واحدة من أكثر الخرائط الجزيئية تفصيلا لكيفية تفاعل فيروس الإنفلونزا أ مع الخلية المصابة، ليكشفوا عن استراتيجيات لم تكن معروفة من قبل قد تمثل أهدافا جديدة لتطوير أدوية مضادة للفيروسات.
تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأن الإنفلونزا الموسمية لا تزال تتسبب سنويا في ملايين الحالات الشديدة ومئات الآلاف من الوفيات حول العالم، كما أن فيروس الإنفلونزا أ كان مسؤولا عن عدة جوائح تاريخية، أبرزها جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، ولا يزال يشكل مصدر قلق مع ظهور سلالات مثل H5N1.
بعد دخول الفيروس إلى الخلية يحمل معه مجموعة صغيرة من الجينات التي تكفي لإنتاج عدد محدود من البروتينات الفيروسية. لكن هذه البروتينات لا تعمل وحدها، بل تبدأ فور إنتاجها في إعادة تنظيم مكونات الخلية نفسها، مستغلة البروتينات البشرية والآليات الطبيعية الموجودة داخلها لتصنيع آلاف النسخ الجديدة من الفيروس.
إن المشكلة التي واجهت العلماء لسنوات هي أن معظم الدراسات السابقة اعتمدت على تفكيك الخلايا قبل تحليلها، وهو ما يؤدي إلى فقدان الصورة الحقيقية لما يحدث داخل الخلية الحية ، وعند تكسير الخلية تختلط المكونات التي كانت منفصلة، بينما تختفي التفاعلات المؤقتة أو الدقيقة التي تحدث أثناء العدوى، مما يجعل من الصعب معرفة العلاقات الحقيقية بين بروتينات الفيروس وبروتينات الإنسان ، وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الباحثون تقنية متطورة سمحت لهم برصد تفاعلات البروتينات داخل الخلايا المصابة وهي ما تزال سليمة، ثم دمجوا هذه البيانات مع نسخة معدلة من برنامج AlphaFold الشهير للتنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات، وهو ما أتاح لأول مرة بناء نماذج دقيقة لكيفية ارتباط البروتينات الفيروسية بالبروتينات البشرية أثناء العدوى نفسها.
كشفت النتائج عن استراتيجيتين رئيسيتين يستخدمهما الفيروس للسيطرة على الخلية، تتعلق الأولى ببروتين يعرف باسم الهيماجلوتينين (Hemagglutinin)، وهو البروتين الموجود على سطح فيروس الإنفلونزا والمسؤول عن الالتصاق بالخلايا والدخول إليها ، وقد أظهرت الدراسة أن الفيروس يعتمد على مجموعة من البروتينات البشرية داخل الشبكة المسؤولة عن طي البروتينات وتجهيزها، بحيث تساعده هذه البروتينات على تصنيع الهيماجلوتينين بالشكل الصحيح.
إن المثير للاهتمام أن بعض هذه البروتينات البشرية لم يكن العلماء يعرفون وظيفتها بدقة من قبل، مما يجعلها أهدافا محتملة لعلاجات مستقبلية تعطل تكاثر الفيروس دون استهدافه مباشرة ، وأما الاكتشاف الأكثر إثارة فكان داخل نواة الخلية نفسها، فقد وجد الباحثون أن فيروس الإنفلونزا يتسبب في تفكيك تراكيب خلوية صغيرة تعرف باسم الباراسبكلز، وهي تجمعات دقيقة تشبه القطرات توجد داخل النواة وتشارك في تنظيم عمل الحمض النووي الريبي والاستجابة للإجهاد الخلوي.
عندما تنهار هذه التراكيب تتحرر مجموعة من البروتينات التي كانت محتجزة بداخلها، ويبدو أن الفيروس يستغل هذه البروتينات لصالحه مستخدما إياها للمساعدة في إنتاج نسخ جديدة منه ، والأهم من ذلك أن تفكيك هذه التراكيب قد يمنح الفيروس ميزة إضافية، إذ تشير الأدلة إلى أن الباراسبكلز تلعب دورا في تنشيط بعض الجينات المسؤولة عن مقاومة الفيروسات والاستجابة للإجهاد، وبالتالي فإن التخلص منها قد يضعف جزءا من دفاعات الخلية الطبيعية.
يشير الباحثون إلى أن ما شاهدوه لم يكن ظاهرة عارضة، فقد تكرر اختفاء الباراسبكلز في جميع أنواع الخلايا وجميع سلالات الإنفلونزا التي اختبروها، وهو ما يرجح أن هذه العملية تمثل استراتيجية أساسية يعتمد عليها الفيروس أثناء العدوى، وليست مجرد نتيجة جانبية للإصابة ، ولا تكمن أهمية هذه الدراسة في اكتشاف بروتينات جديدة فحسب، بل في تقديم صورة شبه مباشرة لما يحدث داخل الخلية أثناء سيطرة الفيروس عليها ، فبدلا من دراسة كل بروتين على حدة، أصبح بالإمكان رسم شبكة كاملة للعلاقات التي ينشئها الفيروس مع مكونات الخلية، وهو ما قد يساعد مستقبلا في تحديد نقاط الضعف التي يمكن استهدافها دوائيا ، كما تفتح هذه التقنية الباب أمام دراسة فيروسات أخرى بالطريقة نفسها، إذ يمكن استخدامها لفهم كيفية استيلاء الفيروسات المختلفة على الخلايا البشرية، وكيف تتجنب الجهاز المناعي، وكيف تعيد برمجة العمليات الحيوية داخل الخلية لصالحها.
قد يهمك أيضــــــــــــــــًا :


أرسل تعليقك