توقيت القاهرة المحلي 01:35:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز»

  مصر اليوم -

من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز»

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم تكن زيارة رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى إلى إسرائيل مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل لحظة سياسية رمزية تعكس تحولا عميقًا فى موقع الهند داخل توازنات الشرق الأوسط. ففى خطابه أمام الكنيست، أعلن مودى أن بلاده تقف «بثبات وبقناعة راسخة» إلى جانب إسرائيل، معبّرًا عن تضامنه بعد هجوم السابع من أكتوبر، ومؤكدًا أن «لا قضية تبرر قتل المدنيين».. لكن فى المقابل، لم يأتِ خطابه على ذكر آلاف الضحايا الفلسطينيين فى غزة إلا بإشارات عابرة وغير مباشرة، وهو ما أثار انتقادات حتى داخل الهند نفسها.

التحوّل ليس مفاجئا بالكامل. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين نيودلهى وتل أبيب عام ١٩٩٢، تطورت العلاقات تدريجيًا، لكن القفزة الكبرى جاءت مع صعود مودى إلى الحكم، بوصفه أول رئيس وزراء هندى يزور إسرائيل عام ٢٠١٧. يومها، بدا المشهد استثنائيًا، زعيم قومى هندوسى وزعيم يمينى إسرائيلى يتجولان معًا فى حيفا، فى صورة جسّدت ولادة شراكة استراتيجية جديدة. واليوم، بعد ما يقرب من عقد، تتعمق هذه الشراكة فى الدفاع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى وأشباه الموصلات، بل حتى فى إدارة البنية التحتية، فيما يعتمد الجيش الهندى على مسيّرات إسرائيلية استخدمت فى مواجهات ٢٠٢٥ مع باكستان.

المشكلة ليست فى التعاون الاقتصادى أو الدفاعى بحد ذاته، فالدول تبنى سياساتها على المصالح. لكن الإشكال يكمن فى طبيعة الانحياز السياسى المعلن، وتوقيته، ورمزيته. فالهند التى رسّخت صورتها تاريخيا فى الذاكرة العربية كدولة رائدة فى حركة عدم الانحياز، وداعمة للحقوق الفلسطينية فى الأمم المتحدة، تبدو اليوم أقرب إلى الاصطفاف ضمن ما وصفه بنيامين نتنياهو بـ«محور دول متشابهة التفكير» فى مواجهة «محاور متطرفة». هذا الخطاب يضع الهند- شاءت أم أبت- داخل معادلة استقطاب إقليمى حاد.

نيودلهى تحاول موازنة الصورة، فهى تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع دول الخليج، وتدير مشاريع كبرى فى إيران، وتؤكد رسميا دعمها لحل الدولتين. لكنها فى هذه الزيارة تحديدا، اختارت لغة أقرب إلى التضامن غير المشروط مع إسرائيل.

المفارقة أن الهند تحتاج المنطقة أكثر مما تحتاجها إسرائيل. فهى تعتمد بشكل كبير على الطاقة القادمة من الخليج، وتستضيف دول الخليج ملايين العمال الهنود، كما تشكل التحويلات المالية من المنطقة رافدا مهما لاقتصادها. كما أن الهند تسعى للتموضع كقوة عالمية كبرى، ما يتطلب منها الحفاظ على صورة متوازنة، لا الانخراط فى استقطابات قد تقيد حركتها الدبلوماسية.

لا أحد ينكر حق الهند فى بناء شراكاتها وفق مصالحها.. لكن السياسة ليست حسابات تجارية فقط، إنها أيضًا ذاكرة ورمزية وتوازن. والانحياز الكامل، فى لحظة حرب ودمار، قد يقرأ فى المنطقة باعتباره خروجا عن إرث طويل من المواقف التى صنعت للهند مكانة خاصة فى الوجدان العربى. السؤال الذى سيبقى مفتوحا، هل هو تحوّل تكتيكى عابر، أم إعادة تعريف استراتيجية لدور الهند فى الشرق الأوسط؟.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز» من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز»



GMT 08:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مياه جديدة في نهر الدانوب

GMT 08:49 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الأرض... زورق النجاة الأزرق

GMT 08:47 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة

GMT 08:45 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الطريق إلى الجحيم والقمر

GMT 08:43 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

متى نرى الهدوء يغمر المنطقة؟

GMT 08:41 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الحضارات أقوى مِن المَوات

GMT 08:38 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

بكين ــ بيونغ يانغ... خريطة الشطرنج الآسيوية

GMT 08:31 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

قادة الرأى

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt