توقيت القاهرة المحلي 05:18:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليس ككل الأيام

  مصر اليوم -

ليس ككل الأيام

بقلم - سليمان جودة

كلما جاء ٣٠ مارس من كل سنة تجدد موعد الناس مع أعذب الألحان، ولماذا لا يكون كذلك وهو اليوم الذى فيه غادر عبد الحليم حافظ دنيانا بعد أن ملأها بالطرب؟

لا أزال أذكر صباح ذلك اليوم من عام ١٩٧٧ كأنه أمس.. لا أزال أذكر أن قارئ موجز أخبار الساعة السادسة صباحًا فى الإذاعة قد استهل أخباره فقال: وفاة عبدالحليم حافظ فى لندن.

قالها مذيع النشرة بصوت ممتلئ بالألم، ولم يكن يدرى أنه بما قاله قد نشر الحزن فى كل مكان، وأن عشاق عبدالحليم عاشوا من يومها ثم بعدها فى حنين لا ينقطع إليه وإلى أيامه، وأنهم أحسوا ولا يزالون بنوع من اليُتم الفنى.. فلا أحد قد ملأ مكانه، ولا أحد إلى اليوم يستطيع أن يقول إنه قد أكمل المسيرة الفنية التى بدأها العندليب ثم راح يرسخها كل يوم.

تقرأ وتتابع ما يسمعه الناس وخصوصًا الشباب هذه الأيام فتأسى، ولا تعرف ماذا يجدون بالضبط فيما يسمعون؟.. فلا كلمة جميلة يمكن أن يحفظها المرء ثم يرددها بينه وبين نفسه، ولا لحن عذب يمكن أن تعتاده الأُذن وتجد فيه الطرب، الذى إذا خلا منه الغناء فإنه يكون قد خلا من كل شىء.. ولا حتى صوت يمكن أن تقول إنه صوت يتميز عما سواه.. لا شىء من هذا كله.. وقد كان هذا كله هو الذى صنع عبدالحليم وبنى له مكانة فى وجدان الناس.

إن الأغنية إذا خلت من الطرب لم تعد أغنية، ولكنها مجرد كلام يردده صاحبه وهو يتنطط كما نتابع، ثم ينساها فى لحظتها هؤلاء الذين يرددونها وراءه بلا وعى.. وربما يكون علينا أن نذكر الآن وفى كل وقت أن الذين كانوا يقدمون عبدالحليم فى حفلاته العامة، كانوا يقولون إنه «المطرب» عبدالحليم حافظ، ولم يكونوا يقولون إنه المغنى عبدالحليم، ولا بالطبع المؤدى عبدالحليم، ولا أى شىء من هذا النوع.

ففى إمكان أى أحد أن يغنى، وفى مقدور أى صاحب صوت أن يؤدى، ولكن لا يستطيع أى أحد أن يُطرب الناس، ولا أن يخاطب الأُذن فتألفه ويستقر فيها، ولا أن تعتاد صوته فتجد فيها ما يغذى حاسة السمع فلا تنفر منه ولا تنساه.

وإذا قيل إن ما يسمعه الناس والشباب فى المقدمة منهم هو ما يريدونه، فهذا كلام فارغ، لأن الذائقة الطبيعية لا يمكن أن تُقبل على سماع ما لا جمال فيه، ولا قيمة، ولا معنى.. لا يمكن.. وكل ما فى الأمر أن هذه أذواق فاسدة، وأنها لهذا تسمع ما تسمعه مما لا لحن فيه، ولا كلمة، ولا صوت، ولكنه مجرد حركات صوتية، أو لحنية، أو كلامية، لا أكثر.

الغناء فى حقيقته طرب، والطرب صناعة، والصناعة فيه تقوم على الصدق فى اللحن، وفى الأداء، وفى الكلمة، وهذا هو الذى صنع عبدالحليم، وهذا هو الذى أبقاه، وهذا هو الذى جعله إذا أطل صوته فى أى وقت على الناس وجدوا أنفسهم يرددون معه ما يقول تلقائيًا، فكأنهم يستجيبون للفطرة فى أعماقهم.. والأهم أنهم يجدون فى ذلك طربًا، ويجدون أنفسهم وقد نقلهم صوته، ولحنه، وكلماته، من عالمهم الذى يعيشون فيه إلى عالم آخر من خيال.. هذا هو السر، وهو من فرط بساطته ليس سرًّا، ولكنه صدق بالأساس، وإحساس فى الأساس أيضًا، وكلاهما هما اللذان يجعلان من يوم ٣٠ مارس يومًا فى تاريخ الفن الباقى ليس ككل الأيام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليس ككل الأيام ليس ككل الأيام



GMT 08:31 2026 الجمعة ,24 إبريل / نيسان

ستارة حزينة

GMT 08:29 2026 الجمعة ,24 إبريل / نيسان

«خرج» الورقة الأخيرة والخطيرة

GMT 07:06 2026 الجمعة ,24 إبريل / نيسان

أسعار الوقود.. وسخرية ليست فى محلها

GMT 07:01 2026 الجمعة ,24 إبريل / نيسان

ليس ككل الأيام

GMT 06:59 2026 الجمعة ,24 إبريل / نيسان

من التفكير بالتمني إلى التخطيط العلمي

GMT 06:56 2026 الجمعة ,24 إبريل / نيسان

زيارة إلى الإذاعة!

GMT 06:54 2026 الجمعة ,24 إبريل / نيسان

إعلان العجز عن الحسم

سيرين عبد النور تتألق بالفستان الأسود بإطلالات تجمع الكلاسيكية والجرأة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:21 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الأهلي يتعاقد مع "فلافيو" كوم حمادة 5 سنوات

GMT 20:53 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أجاج يؤكد أن السيارات الكهربائية ستتفوق على فورمولا 1

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 14:56 2018 الثلاثاء ,25 كانون الأول / ديسمبر

ديكورات مميزة ومثالية لاستقبال أعياد رأس السنة الجديدة

GMT 11:16 2018 الجمعة ,03 آب / أغسطس

طريقة إعداد مانتي تركي باللحم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt