هل حقًا «اللى بنى مصر كان فى الأصل حلواني»؟ نعم.. المقولة صحيحة تماماً.. القائد جوهر الصقلى الذى كلفه الخليفة المنصور بالله ببناء القاهرة، كان فى الأصل بالفعل حلوانيًّا.
المبدع الموهوب خالد صالح كان أيضاً فى الأصل حلوانيًّا. صحيح أنه مارس بجوار ذلك مهناً أخرى، إلا أن المهنة التى تركت مساحة أكبر على مشاعره هى صانع الحلوى ليصبح واحداً من أهم صُناع البهجة فى حياتنا.
سأله أخوه الحاج «إنسان» بعد أن أنهى دراسته فى كلية الحقوق: هل تحب المحاماة يا خالد؟ أجابه أبداً ولا أطيقها، فاقترح عليه أن يشترى كيلو سكر وكيلو دقيق وقالب زبدة وطلب منه أن يقلبهم جيداً، ويضع الخليط فى الفرن ليصنع أول حلوى فى حياته، باع واحداً وتعاقد فى نفس اليوم على أربعين، ثم أصبح لدى شقيقه مصنعاً وعربات تجوب شوارع القاهرة ترفع شعار «الحلوى للجميع»، تمضى سنوات قلائل بعدها ليترك كل ذلك ليتفرغ تماماً للتمثيل، ويبقى دائماً فى أدائه شذرات من الفانيليا، ينتقل من دور إلى دور، إلا أن الرائحة العطرة الجاذبة تظل تحتويه وتحتوينا.
عاش يتيماً، ماتت أمه وهو لم يكمل ستة أشهر، ورحل بعدها والده بسنوات قليلة، ثم رحل الحاج إنسان شقيقه الأكبر.. وكان خالد يقول عنه: «نصفى مات، وأنتظر أن ألتقيه قريباً، لنكتمل فى السماء».
كان خالد صالح يزوغ من المدرسة، لا ليلعب الكرة أو يذهب إلى السينما، ولكن كان يقف بالساعات أمام محطة اسمها «الباشا» فى شارع المنيل بالقاهرة، يتابع الناس وهى تمشى فى الشارع أو تركب الأتوبيس أو تنزل منه أو تتشعبط فيه، وكأنه يجمع لنفسه مخزوناً سيصبح مع الزمن ذاكرته الإبداعية، التى يلتقط عن طريقها الشخصيات التى يجسدها على الشاشتين والمسرح.
عاش خالد صالح مرحلة كبيرة من عمره بعيداً عن الأضواء، بينما مثلاً كان محمد هنيدى وعبلة كامل وهانى رمزى أصدقاء وزملاء هذا الزمن، وتلك الأيام يصعدون إلى مكانة أكبر ويقتربون من أضواء النجومية.
السنوات التى عاشها فى الظل أشبه بطبقات الفحم، لتصبح مع الزمن هى المعدن النفيس «الماس».. وهكذا كان خالد سيد صالح هو «الماس» بعد أن أنضجته السنين.
تنتمى الجينات الفنية لخالد صالح إلى فصيلة من الممثلين النادرين يتركون بصمة لا تُمحى فى الذاكرة، وغالباً بعد أن تقرأ على الشاشة كلمة النهاية، تكتشف أنها البداية فأنت لا شعوريّاً تعيد المشاهدة، وعندما كتب القدر مبكراً نهاية رحلته، نبدأ نحن مرة أخرى فى استعادة تلك الأعمال المرصعة بتلك اللآلئ.
مشهدان فى بداية المشوار لا أنساهما لخالد صالح؛ الأول أداؤه لدور عمى الشاعر الغنائى الكبير مأمون الشناوى فى مسلسل «أم كلثوم»، تملكتنى الدهشة كيف لهذا الممثل الناشئ مجهول الاسم وقتها عام ١٩٩٩، كيف التقط روح شاعرنا الكبير، وهو لم يلتقه ولا مرة، ليس لديه سوى صورة فوتوغرافية، هل تأملها طويلاً فباحت له بعدها بكل أسرارها؟ المؤكد أنها الموهبة الاستثنائية، التى يمنحها الله لعدد من عباده يقرأون الشفرة فيحيلون الصورة الصماء إلى حياة متكاملة نابضة بكل تفاصيلها وأبعادها.
المشهد الثانى بعدها بعامين فى فيلم «محامى خلع».. كنا فى لجنة دورها البحث عن فيلم لتمثيل مصر، يلعب خالد دور القاضى، وفجأة وجدت الراحلين الكبيرين المخرج توفيق صالح وكاتب السيناريو عبد الحى أديب يهتفان طرباً ونشوة ويتساءلان عن اسم الممثل المجهول، وهكذا شهدت أنا أول اعتراف رسمى بموهبة خالد صالح الذى سرق الكاميرا من الجميع بهذا المشهد اليتيم بنظرة وإحساس نضحت به الشاشة.
أما المشهد الثالث فعندما كان فى النعش، مشهد وداع خالد صالح، بينما الحياة أمامه تفتح له ذراعيها.
خالد صالح يموت ليحيا على الشاشة.. يولد فى كل مرة على الشاشة من جديد. ستظل رائحة «الفانيليا» تذكرنا به كلما رددنا اسمه، أو قدمت له الشاشة مشهداً من رصيده الذى لا ينفد.. إنه حلوانى فن التمثيل المصرى!!.