توقيت القاهرة المحلي 06:51:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ملاذ السلامة... وملاذ النهاية

  مصر اليوم -

ملاذ السلامة وملاذ النهاية

بقلم : فؤاد مطر

ازدهرت في الستينات ظاهرة الملاذ الثوري. وكثيراً ما كنا نلتقي في القاهرة ودمشق وبغداد، إلى جانب لقاءات في بيروت مع شخصيات ثورية دفعت بها العمليات الانقلابية، وبذلك وجد بعض هؤلاء أنَّ الملاذ في الدولة التي على استعداد لقبول هذا السياسي أو ذاك الضابط اللجوء فيها. ولنا على سبيل المثال، كيف أن القاهرة في الزمن الناصري باتت الملاذ لعبد الحميد السراج، الذي كان أحد أركان تجربة الوحدة المصرية – السورية، ثم بات وغيره كثيرون مطاردين من زملائهم الضباط الذين قاموا بحركة الانفصال، مع التشفي من جانب بعض هؤلاء بالسراج، الذي كان في قمة صانعي القرار، ثم بات في السفح مغضوباً عليه، وبرسم الانتقام منه، لكن بموجب صفقة ناصرية - انفصالية جيء بالسراج إلى مصر، وأقام فيها مطمئناً إلى أن سلامته مضمونة. وزيادة في الاهتمام، عيَّنه عبد الناصر مديراً للضمان الاجتماعي، وبقي شاغلاً هذا المنصب إلى أن توفاه الله، ودُفن في القاهرة.

وطوال سنوات إقامته بقي في الحفظ والصون، مع أن الذين يتمنون إلحاق الأذى به، انتقاماً من حالات صعبة أعاشهم فيها عندما كان رمزاً لقساوة التعامل الأمني مع المعارضين، كانوا كثيرين. وما حصل من رعاية للسراج في ملاذه المصري، حصل لسياسيين وعسكريين سوريين كثيرين، ومن دون أن يتمكن خصوم العهد الانفصالي من الانتقام منهم.

وما حدث مع عبد الحميد السراج في ملاذه الناصري، حدث لمؤسس حزب «البعث» ميشال عفلق الذي رحمه نظام الرئيس حافظ الأسد، فلم ينفِّذ فيه حكم الإعدام، فلجأ إلى بيروت حيث أمضى ردحاً من الزمن آمناً مطمئناً محروساً بعناية من رفاقه البعثيين، فيما العيون الأمنية اللبنانية بدورها كانت ساهرة عليه. وبقي عفلق وأفراد عائلته الشخصية في لبنان إلى أن اشتد صراع البعث السوري الأسدي مع البعث العراقي الصدامي، ليتبوأ من جانب الرئيس صدَّام حسين ما كان يتمنى الحصول عليه في سوريا، أميناً عاماً للقيادة القومية لحزب البعث. وحتى أيام مرضه كان التعامل الصدَّامي معه تعامل من هو الرفيق الأعلى مكانة حزبية. ثم بعدما توفي، وهو قيد العلاج في باريس، دُفن في أرض مبنى القيادة القومية بمهابة غير مسبوقة لطالب الملاذ في نظام ثوري.

وما كان رئيس وزراء الأردن، وصفي التل، ليلقى فاجعة الاغتيال من جانب شاب فلسطيني معبأ غضباً، لو أنه كان في مصر طالب ملاذ، كما سائر الذين رأوا فيها أكثر الملاذات ضمانة على الحياة.

لم تعد بيروت مقصد الذين يحتاجون في ساعات الشدة إلى الملاذ الآمن فيها، وذلك لأنها باتت عملياً، في جزء من أرضها، ومن الأرض اللبنانية، في جنوب البلاد، ملاذاً لحركة «حماس»، إضافة إلى أفراد في الحركة الحوثية. ولا يقتصر الملاذ اللبناني على زيارات قياديين من «حماس»، من بينهم الرجل الأول في الحركة إسماعيل هنية، وعلى لقاءات تخطيط مع الأمين العام ﻟ«حزب الله» حسن نصر الله، وعلى موفدين ثوريين ودبلوماسيين إيرانيين يأتون خصيصاً من إيران بقصد التخطيط والتشاور، وإنما بات جزء من الأرض اللبنانية في الجنوب ميدان عمليات لمقاتلين «حمساويين»، ويتم الإعلان بين حين وآخر من جانب مسؤولين من «حماس» عن هذه العمليات.

هنا، لا يعود لبنان الملاذ الآمن لمن يحلّقون في الفضاء الثوري الإيراني. ويصبح من وجهة نظر إسرائيل كما لو أنه امتداد لقطاع غزة.

في ضوء ذلك، تفادى النظام الإيراني أن يكون ساحة انطلاق عمليات، كما لبنان، واقتصر دوره على تنشيط الأذرع العاملة تحت رايته، لكن رغم ذلك، فإن إسرائيل ترى في الدور الفلسطيني الذي تمارسه ما تراه بلبنان. ومن هنا، جاءت عملية اغتيال إسماعيل هنية عكس ما يرسمه النظام الإيراني لدوره الفلسطيني، بمعنى أن يكون الداخل الإيراني ملاذاً للتحادث مع قياديي «حماس» الذين يأتون أو يستدعون للتشاور والتمويل ورسم الخطط، وأن يكون الخارج كما يتمثل بجزء من لبنان وباليمن الحوثي والعراق الإيراني، الولاء والتنظيم لتنفيذ العمليات.

ولقد افترضت إيران أنها نائية عن أن تكون مجرد الملاذ الثوري الآمن، كما مصر. وفي الوقت نفسه، يستمر الدور الخارجي كما هو عليه، يبقيها في منأى عن المخاطر والعمليات التي تتسبب في إحراج بالغ القساوة لمهابة الحكم، على نحو واقعة اغتيال إسماعيل هنية، خصوصاً أنه أتى مدعواً وضيفاً للمشاركة في احتفالية تنصيب الرئيس الجديد مسعود بزكشيان، بما يعني أن طهران هي الملاذ الآمن، وليست العاصمة التي كانت النهاية لمسيرة نضاله، من أجل وطنه فلسطين، في شقة الاستضافة الإيرانية المتميزة له.

وهكذا الملاذ لأهل السياسة والأحزاب والحركات التي تتنوع مقاصدها. ملاذ السلامة وملاذ النهاية. أعان الله الأمة.

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ملاذ السلامة وملاذ النهاية ملاذ السلامة وملاذ النهاية



GMT 06:43 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

GMT 06:39 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 06:19 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مراجعات الأولويات أولاً!

GMT 06:16 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

GMT 06:14 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان يهرول

GMT 06:12 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

خطاب ملك فى زمن ضجيج

GMT 06:11 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مطعمها حرام

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 10:16 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عندما يزهر الخريف

GMT 08:03 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

مبابي يتقدم على أبرز المهاجمين في السباق نحو الحذاء الذهبي

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ساندي تتعرض لإصابة أثناء تصوير مشاهد فيلم "عيش حياتك"

GMT 19:38 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الجنيه السوداني مقابل الجنية المصري الخميس

GMT 19:14 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

اصابة شريف إكرامي بشد في العضلة الخلفية

GMT 04:21 2017 الثلاثاء ,14 شباط / فبراير

شركة "جاكوار" تقدم السيارة الجديدة "F-PACE" الفارهة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt