توقيت القاهرة المحلي 08:36:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

  مصر اليوم -

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

بقلم : عمار علي حسن

لا تستقيم تنمية إلا إذا جعلت الاقتصاد فى خدمة الإنسان، وليس الإنسان فى خدمة الاقتصاد، فيتحول إلى مجرد واحد من عناصر الإنتاج، أو مورد من موارده، ويكون النجاح هو تحقيق أى نمو.

(٢)

هناك روافد ستة تعتمد عليها الحكومة فى تدوير الاقتصاد حاليًا، هى روافد غاية فى الهشاشة، يمكنها أن تتهاوى فى لحظة، ولا يمكن التعويل عليها أبدًا، لا فى الوقت الراهن، ولا مستقبلًا.

فالسياحة، ودخل قناة السويس، وتحويلات المصريين فى الخارج، والأموال الساخنة، والاستدانة المستمرة، وبيع الأصول، لا يمكن التعويل عليها فى إحداث «مناعة اقتصادية» لاسيما لدولة قديمة مثل مصر، لم تركن فى تاريخها إلى أن تكون «دولة ريعية»، إنما هى «دولة منتجة»، تبنى اقتصادها على إدارة البشر للموارد الطبيعية بما يتاح لهم من مال، بما يجعله اقتصادا يشق طريقه فى المسارات الأساسية وهى الزراعة والصناعة والخدمات والتجارة.

على مدار آلاف السنين، ومصر على هذا النحو، وهى مسألة أدركها حتى من احتلوا مصر، من أيام الرومان وحتى الإنجليز.

(٣)

لا نجاح للدولة إلا بتحقيق غاياتها الكبرى، وأولها جعل شعبها كريما مكتفيا، وإقامة العدل فيه، وحمايته من الاستغلال، أو طمع الغريب.

إن مصر تعانى منذ عقود جراء غياب «الخطة الناجعة»، وكل ما يقدم من تصورات ويجد طريقه إلى التنفيذ، يبدو أنه ينسى أن أول ركن للدولة وأساسها هو الشعب، صاحب الأرض والمال والسيادة والشرعية.

(٤)

ذات مرة، جاءت جلستى فى عزاء والد أحد الأصدقاء، إلى جانب مسؤول نافذ، وكان هذا فى أوائل عام ٢٠١٦. ما إن صدق المقريء حتى قال لى: أنت تتحدث ليل نهار عن التعليم والصحة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وهذا سيحدث. ابتسمت وقلت له: كيف يحدث وأنا أرى التوجه الأساسى نحو إقامة مدن جديدة فارهة؟.

ابتسم، وقال:

ـ لا تتعجل، الثروة الأساسية فى مصر هى الأرض، وعليها نبنى ونبيع، ثم نبنى جديدا ونبيع، فيزيد ما معنا من مال، ونبنى ونبيع للمرة الثالثة، فيكون المال أكثر، وقتها سنبنى المدارس والمستشفيات والمستوصفات وسنطلق مشروعات إنتاجية فى كل اتجاه. ما معنا الآن لو وضعناه فى التعليم والصحة سينفد كله، لكن ننمى الثروة، ومن الفائض سنفعل كل ما هو مطلوب.

هززت رأسى، ثم سألته:

ـ رغم أن كل ما تنفقه على التعليم والصحة سيعود إليك أضعافا مضاعفة فيما بعد، ورغم أن هذه ضرورة لا تأجيل لها، لكن سأجاريك فيما تذهب إليه، وأسأل:

 

ـ ماذا لو وضعت كل ما لدى الدولة من مال، أو ما يمكنها إدارته أو توجيه جريانه، فى أبنية ثم عجزت عن بيعها.

كتم ضحكة وقال:

ـ لا، البيع مضمون، أنت رجل تؤلف كتبا، ولست مطورا عقاريا.

قلت له:

ـ التفكير العلمى يجعل من الضرورى أن تضع لمخاوفى نسبة ما فى حساب العائد، أو لتكن احتمالا من الاحتمالات، المنطق البسيط يقول هذا.

ابتسم، وقال:

ـ هذا المسار يقف خلفه أصحاب خبرات فى هذا الاتجاه، ولا تقلق.

بعد عشر سنوات حدث ما توقعته، لكن يبدو أن الحكومة كانت قد استمرأت هذا الدرب، مستجيبة لمنطق المطورين العقاريين، أو أصحاب الأموال المفرطة الباحثين عن مكسب سريع، لا تدره الصناعة ولا الزراعة، ولا حتى الاستثمار فى الخدمات.

وأتذكر هنا أننى كتبت مقالا وقتها أو قبل هذا بقليل طالبت فيه بالاعتماد على أصحاب رؤوس الأموال المتوسطة، وقدرتها يومها من (١٠ إلى ٢٠ مليون دولار) وقلت: لا شك أن فى مصر عشرة آلاف شخص تبلغ ثرواتهم هذا الحد أو تفوقه، وبهؤلاء لا بأباطرة المال يمكن أن توضع خطة لمشروعات إنتاجية.

كان هناك من يفكر فى مصر «الورشة» بينما كان المطورون العقاريون يفكرون فى مصر «الفاترينة».

(٥)

حين أعلنت الحكومة إغلاق المحلات على اختلاف أنواعها عند التاسعة مساء، وأطفأت إنارة الشوارع، قال خبراء اقتصاديون إن هذا ضرره أكثر من نفعه، فهو لن يوفر سوى ٧٪ من حجم استهلاك الكهرباء، لكنه سيؤدى إلى زيادة معدلات الركود، وتخفيض ساعات عمل لملايين، وفقدان مثلهم وظائف مسائية، فضلا عن خلق أسباب إضافية لاهتزاز الأمن الاجتماعى.

ها هى الحكومة قد أعلنت العودة إلى ما كان، فهل لم يكن لدى الحكومة من تنصت إليهم قبل أن تقرر فى المرة الأولى، أو حين مدت موعد الإغلاق ساعتين إضافيتين؟ أم هناك من يتحدث لكن لا أحد يسمع؟ أم هو الغياب التام لمن تجب مشورتهم؟ أم كان هناك ما يستوجب هذا القرار فى البداية وقد تغير الأمر الآن؟ لكن كيف تغير؟ هل لأن الحرب تلتقط أنفاسها الآن قبل أن تعود مستعرة من جديد؟ أم جاء إلينا من وافر الطاقة ما أعاد الأمور إلى نصابها؟ لكن كيف جاء؟ وعلى يد من؟ وما المقابل؟ وهل لم يكن هناك نقص فى الطاقة أساسًا لكن القرار كانت له أسباب أخرى؟

لا توجد إجابات تقدم للناس، ومن يمثلهم أو ينوب عنهم فى برلمان له غرفة وغرفة يبدو غير مهتم بمعرفة شىء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية» الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»



GMT 06:43 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

GMT 06:39 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 06:19 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مراجعات الأولويات أولاً!

GMT 06:14 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان يهرول

GMT 06:12 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

خطاب ملك فى زمن ضجيج

GMT 06:11 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مطعمها حرام

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 10:16 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عندما يزهر الخريف

GMT 08:03 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

مبابي يتقدم على أبرز المهاجمين في السباق نحو الحذاء الذهبي

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ساندي تتعرض لإصابة أثناء تصوير مشاهد فيلم "عيش حياتك"

GMT 19:38 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الجنيه السوداني مقابل الجنية المصري الخميس

GMT 19:14 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

اصابة شريف إكرامي بشد في العضلة الخلفية

GMT 04:21 2017 الثلاثاء ,14 شباط / فبراير

شركة "جاكوار" تقدم السيارة الجديدة "F-PACE" الفارهة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt