توقيت القاهرة المحلي 03:22:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصراع على الحاضر بالتاريخ!

  مصر اليوم -

الصراع على الحاضر بالتاريخ

بقلم: رضوان السيد

اشتغل صمويل هنتنغتون في مقالته: «صراع الحضارات» (عام 1993 التي صارت كتاباً عام 1996) على مقولة إنّ لكل حضارةٍ جوهراً مكوِّناً لا يتغير هو عبارة عن دينٍ معين. وفي اعتباره أنّ الحضارات الحية الباقية ما بين سبع وتسع توشك أن تنضوي جميعاً تحت مظلة الحضارة اليهودية المسيحية، باستثناء الحضارة الإسلامية التي تمتلك حدوداً دموية، أي تُواجِه الحضارة المنتصرة بالعنف، وتأبى الانضمام إلى ركب الحضارة الفائزة، بعد إسقاطها للاتحاد السوفياتي!

ومن طريقٍ معاكس تعظيمي للحضارة العربية والإسلامية، توصل الراديكاليون الديكولونياليون الكارهون لهنتنغتون إلى النتائج نفسها: الإسلام دين عظيم وحضارة مكتملة، والغرب وتنويره وحداثته هو الصانع لكل شرّ لا يمكن للإسلام التلاؤم معه. أما الذي يتوهم إمكان التلاؤم فإنه يوشك أن يخرج من الإسلام!

وهكذا، فاليمين الغربي يعتبر الإسلام خارجاً على الحضارة بعنفه. أما اليسار الديكولونيالي، فيقول بوجوب الخروج على الغرب الذي هو بدوره يتآمر عليه ويرمي لإبادته.

والواقع أنّ كلا التيارين (اليميني واليساري) مخطئٌ في فهم العرب والمسلمين وتقديرهم. وقد بدأ اليمين العلماني هذا النزوع في أواسط القرن التاسع عشر، عندما اكتشف إرنست رينان، المفكر والفيلولوجي الفرنسي، ابن رشد والرشدية اللاتينية التي عملت على تحرير أوروبا من الظلامية الدينية. وفي الوقت نفسه ألحق الإسلام واليهودية بالعقلية السامية الجامدة التي لا تعرف الإبداع(!). ومنذ ذلك الوقت، احتار «المستشرقون» في تكييف الإسلام، سواء اعتبروه من نتاجات العقلية السامية، أو اعتبروه خصماً شرساً للمسيحية وأطروحاتها الإنسانية، أو أنه شهد زمان نهوض، عندما كان المسلمون يفيدون من التراث اليوناني، حتى إذا أعرضوا عن ذلك انتصر لديهم الانحطاط، وهو الانحطاط الذي حَلَّل جموده وكوارثه برنارد لويس... وهنتنغتون وآخرون!

ومنذ إدوارد سعيد، وإلى يساره فيما صار يُعرفُ بتيار التابع (subaltern)، تصاعدت الحملة الشعواء على الغرب الآثم العامل على إبادة العالم وإبادة نفسه. وهذا تقليد منذ أيام الاستعمار وفي شتى العلوم والسلوكات. عند إدوارد سعيد كان الإسلام (في كتابه: تغطية الإسلام) مظلوماً في العلوم والإعلام والثقافة بالغرب، ثم نما هذا الميل و«تردْكل» واتجه إلى التاريخ الفكري والفقهي والفلسفي، فتبلور الإسلام عبر التاريخ باعتباره نظاماً كاملاً يكون عليه أن يصادم الغرب المتآمر عليه وعلى العالم. وكما أفاد الإسلامويون من نزعات إدوارد سعيد المخاصمة للغرب، أفادوا أكثر من نزعات الديكولونياليين المنتشرين في الهند وأميركا اللاتينية والجامعات الغربية(!). نعم، يزدهر اليوم الغضب على الغرب بسبب حرب الإبادة في غزة.

وبالطبع فإنّ هاتين النزعتين: نزعة «الإسلام ضد الحضارة» ونزعة «الإسلام عَلَم الحضارة»، تتغذيان من الهيام بالغرب أو كراهية الغرب. فلا يمكن تهميش الإسلام وحصره في بوتقة الاستشراق، وهو واقعٌ في قلب العالم منذ القرن السابع الميلادي. ومن عالمه ومن حوله خرجت الديانات الإبراهيمية، وهو الذي قاد الحضارة العالمية لثمانية قرون. وحتى القرن السادس عشر عندما حمل البرتغاليون المدافع على سفنهم التجارية، كان الصينيون والمسلمون هم سادة التجارة العالمية وحواملها الثقافية. وحتى عندما كان الاستعمار سائداً في القرن التاسع عشر، ظلَّ خير الدين التونسي يسعى لإقناع الغربيين وبني قومه بأنهم شركاء، وكذلك الأمر نفسه حاوله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في «العروة الوثقى»: «ضرورة التحرر من الاستعمار الأوروبي لأننا شركاء في الدين والثقافة والتاريخ والأخلاق، وليس بيننا سيدٌ ومسود»!

لا نستطيع الانضمام إلى تيار التابع في الاحتجاج، لأنّ موقعنا من أوروبا بالفعل ليس بهذه الهشاشة والتبعية. كما أننا لا نستطيع الانضمام إلى زعم الحضارة اليهودية المسيحية، لأنه ليست هناك حضارةٌ كهذه، بل إنّ هناك من ألّف (R. Bulliet) في الحضارة المسيحية – الإسلامية. مثقفو الديكولونيالية بالهند وأميركا اللاتينية يعتقدون أنّ الغرب أخرج هذه الشعوب من إنسانيتها(!). وقد حاولوا ذلك معنا، لكنهم فشلوا لأننا جزءٌ منهم، شاءوا أم أبوا. والدليل على ذلك أن الصراع الثقافي والعسكري لم يخمد رغم تفاوُت القوى، ورغم الابتلاء بإسرائيل!

يا دعاة الديكولونيالية ويا دعاة رؤية التابع: إنّ التبرؤ من قيم الغرب، رغم كثرة ارتكاباته، يعني التبرؤ من نصف ما نعيشه وما نؤمن به. وما أسوأ ما قاله كيبلنغ: «الشرق شرق، والغرب غرب ولن يلتقيا»! نحن إلى لقاءٍ رغم الخلاف، لأنّ الكفر بالغرب كفر بتاريخية الذات، وشراكة الحضارة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصراع على الحاضر بالتاريخ الصراع على الحاضر بالتاريخ



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt