توقيت القاهرة المحلي 23:36:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شعبويات اليمين واليسار والمآلات

  مصر اليوم -

شعبويات اليمين واليسار والمآلات

بقلم: رضوان السيد

ظهرت شعبويات اليمين والهويات الوطنية المتوترة في أوروبا، وسرعان ما استولت على بعض الحكومات، حتى في الدول الاسكندنافية التي كانت الأكبر ليبراليةً بعد الحرب العالمية الثانية! أما في أوروبا الغربية، فقد استولى هؤلاء حتى الآن على رئاسة الحكومة في إيطاليا؛ إحدى الدول الأوروبية الكبرى. ويتحدث هؤلاء جميعاً بالسلب عن سياسات «الاتحاد الأوروبي» وعن ترتيبات الاقتصاد، لكنهم ما أثّروا ظاهراً إلا في قوانين الهجرة وسياساتها، فهم مشهورون منذ بداياتهم بالعداء للمهاجرين الذين غصّت بهم دول أوروبا خلال العقود الثلاثة الماضية. لكنّ الأكبر معاناةً من اتجاهات اليمين واليسار الجديدة في أوروبا هي فرنسا ومجتمعها السياسي، حيث ضعفت تيارات الوسط ضعفاً شديداً، وظهر انقسامٌ عمودي بين «يسار راديكالي» و«يمين راديكالي» هدَّدا استقرار النظام السياسي في البلاد.

أما في الولايات المتحدة، فقد تواترت منذ ثمانينات القرن الماضي تمردات باتجاه اليمين المحافظ في الحزب الجمهوري على وجه الخصوص. وبخلاف أوروبا، فقد ظهرت إلى جانب المحافظين الجدد (القادمون من اليسار) نزوعات دينية إنجيلية اتجهت للتأثير في المجال السياسي خلال أكثر من عقدين، وآلت جميعها معاً إلى ما يشبه التيار المتنامي مع بروز «ظاهرة الرئيس دونالد ترمب» قائد التوجه. وهؤلاء يريدون تصغير الحكومة ومكافحة الهجرة ومقاسمة العالم بدلاً من الامتداد فيه.

إنّ الجديد الذي يمكن تلمُّسُهُ في التوجهات الشعبوية بالولايات المتحدة هو ظاهرة زهران ممداني في انتخابات عمدة نيويورك؛ كبرى المدن الأميركية. الرئيس الأميركي شديد الغضب على ممداني ويعدّه شيوعياً تخريبياً يسارياً. وممداني مهتم بالملف الاجتماعي بالمدينة، وساخطٌ على رأس المال الكبير الذي يسيطر في المدينة لغير مصلحة فقرائها. بيد أنّ الشباب من أنصار ممداني لا يُظهرون سِماتٍ آيديولوجية حادّة كسمات اليسار الأوروبي، بل هم أدنى إلى جيل «زد (Z)» الذي يجري الحديث عنه كثيراً في أنحاء مختلفة من العالم وليس بالولايات المتحدة فقط.

إنّ السؤال الآن: هل يتحمل الحزبُ الجمهوري الأميركي ظِلَّ الرئيس ترمب الثقيل على مدىً طويل، وهل يتحمل الحزبُ الديمقراطي الأميركي طائرةَ ممداني الورقية المتعملقة؟ في بريطانيا ظهر في العقود الأخيرة حزبٌ ثالثٌ تنامت مقاعده في البرلمان وفي البلديات على حساب الحزبَين التقليديين... وكذلك في عددٍ من البلدان الأوروبية التي، باستثناء ألمانيا، ما كانت تملك ثنائية حزبية صلبة. وتكاد ألمانيا تفقدها الآن.

أستاذ السياسات المعروف جون ميرشايمر يعدّ كل هذه التطورات خيبات لأنظمة الدول الكبرى الغربية بعد «الحرب العالمية الثانية». وقد قامت على 3 أسس: الليبرالية، والواقعية، والمصلحة الوطنية، واعتقدت أنها تستطيع قيادة العالم بها والتنافس أخلاقياً واستراتيجياً بها مع الاتحاد السوفياتي. ولأنّ الاتحاد السوفياتي سقط؛ فقد عدّ الليبراليون أنظمتهم معصومة. ولذلك؛ فقد توترت علاقاتهم مع روسيا الاتحادية، وفوجئوا بصعود الصين، وانصرفوا لإقامة دولٍ ديمقراطية بالغزو العسكري حيث لقوا فشلاً ذريعاً. كان جوزيف ناي، الأستاذ المعروف وصانع السياسات، يتحدث عن «القوة الناعمة» ويعني بها الجاذبية التي تتمتع بها الولايات المتحدة لجهات عدة، لكنّ الجاذبية تضاءلت؛ لكثرة الحروب والأزمات، ولتقدم فريق المصلحة الوطنية من جهة؛ الذي يواجهه الآن شباب «زد (Z)» من جهة أخرى، وهو انقسامٌ قد يتعمق ويصبح أزمة أجيال.

نعرف حتى الآن سياسات الرئيس ترمب وهيامه بصنع السلام عبر الصفقات. وكنا نشكو من ضعف التأثير الأوروبي على الأزمات والتوسط فيها بمنطقتنا. وهم يعتذرون الآن بأنّ الرئيس الأميركي يريد الانفراد والاستئثار. وقد جربنا السياسات الليبرالية تجاه المنطقة في فترتَي الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما فأَورثَتنا «الإخوان المسلمين» و«التيارات الجهادية». ولذلك؛ ورغم صرخات يساريي فرنسا وأنصار زهران ممداني بنيويورك لمصلحة فلسطين، فإنه ينبغي البقاء على حَذَر؛ لأنّ تيارات «المصلحة الوطنية» وشعبوياتها بأوروبا وأميركا هي اتجاهات لا تملك في الحقيقة سياسات عالمية ذات بصيرة، بل هي ناجمة عن غليانٍ داخلي يحتاج إلى زمانٍ للنضج والاستقرار على خطوطٍ كبرى.

ما يجري في أوروبا وأميركا موجات تغييرية كبرى. وكذلك في روسيا والصين والهند. بيد أنّ هؤلاء التغييريين الكبار تبقى المصلحة الوطنية أو القومية رائدهم. والآليات التغييرية من خلال الانتخابات وحكم القانون لا تزال هي السائدة؛ فهل تشكّل ضمانةً للعودة إلى شيء من التوسط؟ الخبراء الاستراتيجيون متشائمون بشأن التزام الآليات؛ وفي أوروبا أكثر من الولايات المتحدة. أما السياسيون المحترفون فهم مصرّون على الترشح في هذا الحزب أو ذاك وفق ما يتيح لهم ذلك الطامحون إلى الزعامة، وما عاد التوسط رائدهم، بل الإصغاء لما يعدّونه انجرافاً باتجاه الانعزال عن الولايات المتحدة تارةً، وعن العالم تارةً أُخرى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شعبويات اليمين واليسار والمآلات شعبويات اليمين واليسار والمآلات



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt