توقيت القاهرة المحلي 17:29:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مصر التى فى خاطري..

  مصر اليوم -

مصر التى فى خاطري

بقلم - جميل مطر

 كنت صغيرا أتعلم عندما تلقيت فى هدوء وبارتياح وبالتدريج أول دروس فى الوطنية، وكنت شابا متعلما ومعلما ومسئولا عندما تلقيت فى صخب وبعنف أول دروس التشكيك فيها.

كنت طفلا أتردد مع أمى على بيت أمها لنقضى فى صحبة العائلة الممتدة يوما بليلة أو ليلتين كل أسبوع. هناك فى قلب قاهرة المعز يعيش المصرى ساعات من تاريخ بلده. طراز البيت والمسجد المقابل له ومدرسة حفظ القرآن الملحقة به والسقا الواقف فى انتظار خروج المصلين وبائع البليلة وفى الغالب رافعا جلبابه حتى قرب وسطه، ومن مسافة غير بعيدة يأتى من عشرات الدكاكين المنتشرة على جانبى شارع أمير الجيوش صوت الدق على النحاس تمهيدا لجليه، لا يهدأ الدق إلا عند سماع الآذان صادرا من مئذنة الجامع بأحلى صوت وأجمل لحن.

• • •

لم أقض وقت الطفولة كله فى أحضان عدد غير قليل من الخالات والقريبات، فالرجال قليلون فى عائلتنا. كانت التقاليد تفرض أن نتعلم نحن الصغار بنينا وبنات اللغة العربية والدين بين يدى شيخ معمم. أعتقد الآن، وقد صرت أكبر منه بعقود، أن له الفضل فى وضع الأساس السليم ليس فقط لإتقان اللغة كتابة ونطقا، بل له فضل آخر لا يقل شأنا، وهو أننى تعلمت تفسير كثير من الظواهر والمفاهيم والعادات بإعادتها إلى جذورها فى تاريخ البلد، مصر يعنى، وبخاصة تاريخها السياسى.

• • •

للرحلة الأسبوعية مع والدى إلى حى الحسين والوكالات التجارية العملاقة فى شارع الموسكى والغورية والصاغة لأداء فروض تجديد الولاء للكبار فى عائلته. هناك كنت أسمع، ولم أكن اقتربت من سن الشباب، حكايات حب  فى مصر يرويها باعة من اليهود والمغتربين من الريف والصعيد. كانت لوالدى وأشقائه وأقربائه ممن كانوا فى مثل عمره روايات عن بطولات وتضحيات المصريين فى ثورة 19. يشعر السامع وكأن مصر ولدت فى تلك الثورة، إلا عندما يمتد الحديث إلى ثورة عرابى التى يقسم كل متحدث أنها لم تكن هوجة كما يدعى البعض.

• • •

لا تفوتنى مناسبات كانت ضرورية لتشكيل الوعى الوطنى لطفل ثم مراهق شغوف بمعرفة كل ما هو جديد وكل ما يقف وراء مظاهر أو ظواهر. أتذكر جريدة مصر الناطقة التى كانت تنقل لنا فى دور السينما مظاهر استقبال «جلالة الملك المعظم».

أتذكر الحفاوة التى كنا نستقبل بها زيارات الملك ورؤساء حكوماته. حدث خلال مرحلة أكثر تقدما فى مسيرة نضجى أن استفسرت من والدى عن السبب وراء نقص الحفاوة مقارنة بسنوات الطفولة المتأخرة وسنوات المراهقة المبكرة. أتذكره يقول شيئا عن تدخل الإنجليز فى تفاصيل السياسة المصرية وفساد أهل القصر والشعبية المتزايدة للوفد.

• • •

لاحظت الفتور من استجابات الحضور لظهور الملك وحاشيته فى جريدة مصر الناطقة ومن تحول الشعبية فى اتجاهات أخرى. من هذه الاتجاهات على سبيل المثال الإقبال الأشد على توديع المحمل مزودا بالدموع والفرحة وأحيانا كثيرة الهتاف لفريق الفرسان المرافق له. منها أيضا تصاعد وتيرة مظاهرات الطلبة ضد الإنجليز ثم ضد الملك والإنجليز معا. لا شك فى أن المظاهرات فى حد ذاتها كانت إحدى أهم مدارس بناء الوعى الوطنى.

• • •

بالنسبة لتجربتى الخاصة أعتقد أنه مما رسخ فى عقل الطفل فى تلك الأيام حب الوطن تجنيد الأطفال فى عموم مصر بأسرها لمدة أسبوع كامل للتدريب على الاحتفال بعيد ميلاد الملك وعيد جلوسه على العرش. ظل المنظر فى ميدان عابدين محفورا فى مخيلتى لسنوات عديدة تغذيه أمى التى كانت تفاخر شقيقاتها وجاراتها بابنها المحظوظ.

• • •

رسخ الحب للوطن أيضا، إلى جانب المظاهرات والاستعراضات الرياضية فى ميدان عابدين، الانتخابات الدورية لعضوية مجلس النواب. أتذكر جيدا أحد معلمى الحى وقد امتطى حمارا وأطفال من الأحياء المجاورة بالجلاليب تركض خلفه وهى تهتف باسمه ملحقة به رتبة البكوية. كانت المناسبة كافية لتجعل الحى يعيش فرحة حقيقية لا تُصنع فيها، فها هو ابن الحى يدخل البرلمان تحت القبة التى منحت الحى هيبة إضافية بعد كونه حى سكن موظفى الدولة ومعظم مبانى الحكم.

• • •

كان والدى على حق حين شجعنى على الانضمام لفريق الكشافة بالمدرسة الابتدائية ثم فى المدرسة الثانوية وفى الجامعة. أتصور أنه أراد إلى جانب رغبته فى دعم الوعى بالوطن، وكان محقا فى هذه الرغبة فعائد الانضمام إلى الكشافة مراهقا ثم شابا كان فوق كل تصور.

• • •

دار الزمن دورة من دوراته. صار الشاب رجلا ثم كهلا. تغيرت فيها أمامه السياسات والأشخاص والأشياء. تغير علم مصر الأخضر ولم يقنع الشاب سبب واحد من كل الأسباب التى ترددت دفاعا عن العلم الجديد. ثم تغير لبعض الوقت اسم مصر بل واختفى لسنوات عاد بعدها، وإن ضمن صيغة أوسع، ولكن وسط ترحيب يعزز التمسك باسم مصر، مصر الوطن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصر التى فى خاطري مصر التى فى خاطري



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt