توقيت القاهرة المحلي 17:29:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تدهور بيئة صنع القرارات السياسية المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط

  مصر اليوم -

تدهور بيئة صنع القرارات السياسية المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط

بقلم - جميل مطر

أظن، وبعض الظن فى أيامنا الراهنة اجتهاد مستحق وضرورى، أظن أن التاريخ، حسبما وصل منه إلينا وحسب بعض منه نعيشه بأشخاصنا أو بأوهامنا وأحلامنا، ربما لم يشهد أو يعايش بيئة متدهورة محيطة بمواقع صنع السياسات بالشرق الأوسط كالبيئة الراهنة.
• • •
تأكد لنا بطول المراقبة أن تحولات كبرى تنتظر الشرق الأوسط. تحول من هذه التحولات أعلن فشله قبل أن يتجسد حقيقة واقعة. أقصد الفشل الذى أصاب مشروع قيام منظومة إقليمية عربية بعقيدة قومية جامعة وشاملة. تقلص المشروع متدرجًا لأسباب داخلية يطول شرحها وكذلك بسبب حصار فرضته بيئة معادية له فى أسوأ الأحوال أو بيئة متمردة فى أحوالها العادية. ازدادت هذه البيئة تعقيدًا حين تصادم وبعنف كبير جانب من عقيدة المشروع «العروبى»، وأقصد جانب «المقاومة»، مع تحالف شيطانى الطابع من قوى الغرب المنسحبة من الإقليم وقوى الصهيونية المتقدمة بإصرار تدعمه قلاع المال المنتشرة فى أوروبا وأمريكا وتغلفه الأسطورة أو«الحدوتة».
• • •
كنت، بين آخرين، شاهدًا لأكثر من مرة على هذه الاصطدامات. عشت أحفظ عن ظهر قلب مدونة أيام نهوض الأمة العربية وعشت أيامًا أخرى مع المقاومين، وعشت أياما من نوع ثالث أراقب توقف النهوض ثم بدء انحداره ثم تقلصه وحصره داخل أسوار منيعة. بمعنى آخر عشت دورة كاملة من دورات نهوض الأمم وانحدارها، نهوض وانحدار فى جيل واحد. أعتز حقيقة بنظرات تبجيل وتقدير أحاطتنى بها خلال أيام المقاومة والنهوض شعوب عظيمة عشت بينها مثل الهند والصين وتشيلى والأرجنتين، لم ألمح النظرات نفسها عندما عدت لزيارتها بعد أقل من عشرين سنة. تصادفت العودة مع نهوض عربى متوقف ومقاومة قومية بالسلاح أو بغيره منعدمة أو غير لائقة وخلافات عربية أعمق وملامح انحدار ملموس.
قال قائل من أهلنا: «لعل تجربة نهوضنا كانت أثقل من قدرتنا على تجديده وتطويره أو حتى على مجرد حمله». حسب صاحب هذا الرأى كانت تجربة مكلفة، وفى رأى كثيرين باهظة التكلفة. المدهش أن هذه الحجة نفسها تهيمن الآن على بيئة صنع القرار السياسى فى كل ساحة عربية أو ساحة مجاورة للعرب. صرنا نسمعها همسا وعلنا وفى كل المجالس، "لا للمقاومة فتيار الانحدار جارف ولمصلحتنا يجب الابتعاد عن كل مجاريه وروافده وأهمها هذا الرافد، رافد المقاومة". قال آخر منهم أو منا "خذوا حذركم، فالمقاوم بلسانه أو قلمه أو حنجرته مصيره أن يطالبكم بسلاح خاص به بحجة إن العدو يطارده ليقتله، ولا أحد يتقدم لحمايته أو الدفاع عنه، فإن تقدمتم أو ترددتم فمصيركم من مصيره الذى هو مصير أهل غزة وكل فلسطين إن استمرت تقاوم".
• • •
كثير من هذا يثير غيوما كحيلة حول صناعة وصناع القرار السياسى فى عالمنا الجنوبى. أسمعه كل يوم على لسان عربى مقاوم أو فى شوق ليوم مقاومة. أمريكا ما تزال صاحبة الست وتسعين ورقة من أوراق القرار السياسى العربى وربما زادت النسبة بوجود شخصية فريدة أو نادرة فى سجلات تاريخ قيادات الإمبراطوريات الغربية.
الشخصية هى للسيد دونالد ترامب. الرجل الذى جعل العلاقات الدولية لعبة شد حبل بين عملاق من ناحية وصغار أبرياء أو ضعاف بنية أو رجال انهكتهم المطاردة والتجويع على الناحية الأخرى. الرجل الذى جعل العالم ساحة كساحات بيع العبيد لمن يدفع أكثر ولمن على وفاق مع «عتاولة» المال الصهيونى وسماسرة الصفقات العظمى. الرجل أو الزعيم الذى تفوق على غيره من قادة الولايات المتحدة فى سباق التنكر للقيم الليبرالية والديمقراطية وتقاليد احترام الحقوق والحريات. تجاسر الرجل فدعا إلى إعادة أمريكا إلى عظمتها ولو على حساب صحة مواطنيها وعدالة مطالبهم الاجتماعية والسياسية. سمعت أن مسئولًا أوروبيًا قال: «وهل ننتظر من هذا الرجل احترام شعوب حلفائه الأوروبيين أو نطمئن إلى قيادته لوقف استمرار انحدار الغرب».
• • •
كثيرون وجدوا أعذارًا لزعماء فى عالم الجنوب تخلوا عن عقائد ورثوها عندما اكتشفوا أن التزامها غير مفيد وقد يضر. هناك من تخلوا عن عدم الانحياز وآخرون عن «الأفريقانية»، وغيرهم أداروا ظهورهم لعقيدة التعايش السلمى أو المبادئ الخمسة المؤسسة لروح باندونج، ونسمع عن زعماء عرب فقدوا الثقة فى العروبة وبخاصة بعد أن تخاصموا عند تعريفها ورسم حدودها وحساب تكلفتها أو بعد أن تعاهدوا على إنكارها أمام الغرباء.
• • •
حاولت جاهدا أن أقرأ فى سياسات الرئيس ترامب تجاه الشرق الأوسط ماذا يعنى له «العربى»، فهمت أنه لا يرى إلا إسرائيل فى الشرق الأوسط ومالا وفيرا فى انتظاره ليحمله ويرحل به وفلسطينيين أجرموا فى حق إسرائيل وأمريكا حين سبقوا اليهود لسكنى هذه الأرض الجميلة قبل أن تقع عليها أعين يهود من نوع نتنياهو ومطورين من نوع ترامب وأديلسون وويتكوف وغيرهم كثيرون. الناس يسألون وهم معذورون فى فضولهم، يسألون إن سقطت فلسطين فعليا من جدول اهتمامات العرب أم ليس بعد، ويسألون إن لم تكن مواقف الاتحاد الأوروبى الأخيرة من أمر الدولتين أكثر من تبرئة ذمة خاصة أن مستقبل هذا الأمر يزداد غموضًا وتعقيدًا مع كل يوم يمر.
• • •
لا يختلف اثنان حول الاعتراف بأن السنوات الأخيرة فى عالم العلاقات الدولية شهدت ميلًا متزايد القوة للتعاطف مع حكومات وزعامات شعبوية التوجه بل ونازية الهوى. كثيرة هذه الأيام التوجهات المتطرفة دينيًا ومذهبيًا وقبليًا وطائفيًا على حساب قاعدة «الدولة الأمة». كثيرة أيضًا، وبخاصة فى الشرق الأوسط الأساطير المتوارثة والمختلقة وبالتالى كثيرة هى الأوهام والأحلام أسطورية المولد والطبيعة. أخشى ما أخشاه أن يتكرر نموذج الانفراط السورى حول أساطير من هذا النوع أو ذاك. هذا الانفراط أثبت أنه المفضل لدى منظرى السياسة الخارجية الإسرائيلية، وبالفعل صار يحتل مكانًا بارزًا فى منظومة إسرائيل الكبرى أو الشرق الأوسط الجديد، المنظومة الجارى نسجها حاليًا باتفاقات وترتيبات تضمن تطبيق نظام أمن وحماية، تسعى إسرائيل لتطويره ليليق شكلًا وقدرة، وليصبح الدرع الواقية لدول صغيرة فى الشرق الأوسط ضد «النفوذ الإيرانى» أو غيره.
• • •
كثيرون صاروا يفضلون إضافة مسألة التغير فى نظام توازن القوى العربية إلى قائمة تعقيدات البيئة الحاضنة لجميع عمليات صنع القرار العربى. لا أرفض هذا الرأى وإن كنت أخشى علينا جميعًا من خطورة تسليم هذا الأمر برمته إلى «السوشيال ميديا»، حيث العواطف جارفة والتعقل والرشادة منبوذتان. هنا يكمن الخطر ويتهدد السلم وقد تسقط قلاع كثيرة إذا لم يسرع القابضون على التوازن فأبعدوه عن الشارع وأعادوه إلى حيث يجب أن يكون، فى منظمة عمل عربى مشترك متطورة ومعدلة وناجزة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تدهور بيئة صنع القرارات السياسية المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط تدهور بيئة صنع القرارات السياسية المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt