توقيت القاهرة المحلي 17:29:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مع الميادين مرة أخرى

  مصر اليوم -

مع الميادين مرة أخرى

بقلم - جميل مطر

قالت: «صحيح يا أستاذى، لقد كتبت بالفعل عن الميادين». سألت: «ومتى كان؟». أجابت: «كتبت فى سبتمبر من العام الماضى». أثارت الإجابة فى نفسى فضولًا. عدت أسألها: «لماذا هذا الحنين المتجدد إلى الميادين». ولأسألها أيضا ولنفسى، «ولماذا فى سبتمبر؟».

أستطيع ببساطة شديدة أن أخمن أنا نفسى الإجابة عن سؤال سبتمبر. لماذا يستعر الحنين للميادين أو لميادين معينة فى سبتمبر؟، يستعر الحنين فى سبتمبر لأنه الشهر الذى يشهد تصعيدا مفاجئا لكل العواطف والمشاعر، وهو الشهر الذى تتكثف فيه الجهود لمقاومة كل أنواع الملل، والتخلص من كل البقايا التى خلفها الإحباط والأسى على امتداد شهور الصيف إن كنا نتحدث من مكان فى نصف الكرة الشمالى، أو على امتداد شهور الشتاء، إن كنا نتحدث من مكان فى نصف الكرة الجنوبى.

سبتمبر فى رأيى وحسب خبرتى هو الشهر الأمثل لصنع الذكريات، وبمعنى أدق، لإخراج الذكريات من حيث ترقد فى انتظار حنين تخرج معه أو إليه. أود هنا أن أعلن عن قناعة خاصة وهى أن الذكريات فى هذا الشهر الرقيق تكون قد اقتربت جدا من السطح جاهزة ليقتطفها كثيرون رفعهم الشوق والحنين إلى مرتبة هى بين الأعلى فى مراتب الحب. 

• • •

اكتشفت بالتجربة الشخصية وأنا فى هذه المرحلة المتقدمة من حياتى صلة العلاقة التاريخية التى ربطت سبتمبر بالميادين. لا أتحدث عن أحداث معينة وقعت لى أو معى فى ميدان بعينه أو آخر، ولكن فى كل سبتمبر أجد نفسى مدفوعا بكل الحنين نحو ميدان أو آخر من ميادين عشت فيها أو قريبا منها أو مررت بها. الميدان فى عرفى تاريخ وثقافة وحكايات شقاوة و«حواديت» عنف وحب. لا أذكر أننى جلست على مقعد فى مقهى يطل على الميدان أو على درج نافورة مياه فى جانب من جوانب ميدان إلا وقادنى المنظر إلى التفكير فى ظروف حادثة أو أخرى وقعت فى هذا الميدان. ما أن اقتربت مثلا من أحد مداخل ميدان المنشية بالإسكندرية إلا وطافت بمخيلتى على الفور حكاية الرصاصة الشهيرة التى لم تصب الزعيم عبدالناصر. وما أن اقتربت من ميدان السلام السماوى فى وسط بكين إلا وتذكرت «تمشياتنا» ولا أقول «تسكعاتنا»، نزار قبانى وأنا صباح كل أحد، متوجهين إلى حديقة القصر الإمبراطورى. هناك نتوقف أمام جماعة من الشباب يؤدون تدريبًا رياضيًا مألوفًا. يراهننى نزار أن أفلح فى التمييز بين حريم الصين ورجالها.

هنا فى ميدان الإسماعيلية قبل أن تحل الثورة فيتغير اسمه، كنت أرى جنودًا وضباطًا من أجناس مختلفة وخيل وخيالة مدججين بالسلاح. أراها تخرج من ثكنات أذكرها جيدًا مبنية بالطوب الأحمر أو بهذا اللون كانت تتلون. جنود هنود ونيباليون، هؤلاء كان يطلق عليهم «كتايب الجوركا»، يُعرف عنهم القسوة، أو جنود من أستراليا يحملون علم الإمبراطورية العجوز.

كنت قرأت عن «هوجة» عرابى والتى انتهت بمجىء جيش الإمبراطورية، وكنت سمعت من أبى عن «ثورة» 1919، وكنت هناك بنفسى فى يناير 2011 شاهدًا على ثورة أخرى قررت أن تحيل ميدان الإسماعيلية إلى حكاية كبيرة وطويلة ومئات بل آلاف «الحواديت» والحكايات الصغيرة. مررت به قبل أيام. جلست فى سيارتى أقارن معالم تطوعت خزانة ذاكرتى بطرحها، معالم ميدان الإسماعيلية عندما كنا نمشى إليه فى مظاهرات تلاميذ الثانوى أو فى نزهاتنا فى الطريق إلى حدائق قصر النيل فى الأربعينيات.

• • •

عشت شهورا أطل عليه كدبلوماسى صغير وحديث التعيين من غرفة مكاتبنا وكانت فوق «سطوح» وزارة الخارجية. أطل وأقارن معالم الميدان كما طرحتها ذاكرتى لميدان الإسماعيلية، أقارنها بمعالمه وقد صار يحمل اسمًا مختلفًا ثم بمعالمه عندما عدت من الخارج لأقضى فترة عمل فى جامعة الدول العربية، ثم بمعالمه عندما نشبت ثورة يناير وكنت شاهدًا يشاهد ويحلل ويوصى ويقترح ويشجع وينظم ويمشى بين الثوار يسأل ويجيب ويقارن ويتمنى ويشتغل بالتمييز بين الحقيقى والمزيف وبين الثائر وذى الغرض، ويعود ليقدم تقريره لأفراد فى لجنة للحكماء.

أعرف أنه منذ ذلك التاريخ تغيرت وظيفة الميادين. عديد الساحات التى كانت مواقع حكم وسلطة فى أوروبا الشرقية نشبت فيها ثورات أكثرها استعار من الربيع ألوانه ومن ثورة يناير شعاراتها وأحلامها. وقتها ومنذ ذلك الوقت حصلت الميادين على اهتمام يفوق الحاجة الأصلية إليها كساحات يشيد على جوانبها قصور أو مبانى الحكومة وتصلح كمساحات معقولة ومتواضعة تسمح بمشاركة قطاع من الجمهور فى مراسم تحية الحكام وكبار موظفى الدولة وقضاتها.

• • •

أعرف أيضا أن كثيرا من الدول قرر الاستغناء عن تقليد كان منتشرًا وأقصد مشاركة الجماهير فى بعض المراسم الرسمية، وعن وظيفة استقبال مظاهرات الغضب أو حتى الرضا. حدث هذا التغيير عندما قامت الحكومات بتضييق مساحات الفراغ فى الميادين وإشغالها بقواعد أسمنتية وصخرية تحد من حركة المرور وتحول دون التجمهر داخل الميدان. حكومات أخرى رفضت هذا الحل علما منها أن جماهيرها لن تسمح لها بتغيير معالم ميادين تزينها وتشرفها تماثيل قديمة لها مكانة ترقى إلى مستوى القدسية. تذكرت هذا الوضع وأنا أشاهد قبل يومين مظاهرتين عارمتين تجوبان شوارع لندن متوجهتين نحو ميدان أو آخر من ميادين تتحلى بتماثيل أو تقع وسط مبانٍ اكتسبت بحكم قدمها وروعة هندستها حب الجماهير. خافت الشرطة أن تجتمع المظاهرتان فى ميدان فينشب عنف بين المتظاهرين ففرقتهما قبل اجتماعهما. خافوا على الآثار فى الميدان أن تصاب بأذى فأضافوا إلى جنودهم جنودا متخصصين وبعضهم فوق خيولهم لزيادة الهيبة. تفرق المتظاهرون قبل أن تمتد للميدان يد «غريبة» تهيمن وأخرى تغير التاريخ، فللميدان، كغيره من الميادين، سوابق فى تغيير التاريخ.

• • •

عهد غير صريح على المطورين فى الغرب كما فى الشرق. عهد عليهم أن تخلو مدن المستقبل من ميادين فالحاجة إليها تنتفى بمرور الزمن. لا حاجة لدى المطورين وحكوماتهم لمؤتمرات شعبية أو مظاهرات تأييد واحتجاج، أما التماثيل الجميلة فللسياح فقط وداخل متاحف.

إنها ولا شك مهمة شاقة، أن تسحب الجمال من الساحات والميادين والمدن وتتركها غليظة ليس فقط على عين الناظر بل وعلى قلبه أيضا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مع الميادين مرة أخرى مع الميادين مرة أخرى



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt