توقيت القاهرة المحلي 10:01:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

معيار هوبز لنشوء حربٍ أهلية

  مصر اليوم -

معيار هوبز لنشوء حربٍ أهلية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

قبل أيام، عصفت المروحة السياسية الأميركية بلبنان وجيرانه، مشهدٌ سياسي صارم مصحوب بنقاشٍ محتدم، عاصفةٌ سياسية لم يهدأ غبارها حتى الآن. النقاشات القويّة بين اللبنانيين من جهةٍ واللبنانيين والأميركيين من جهةٍ أخرى كانت حامية، وما من أفقٍ واضح. وبغضّ النظر عن الاشتقاقات اللغوية في تعريف ورقة نزع السلاح، فإن بوادر تنفيذها بدأت تدريجياً.

حتى كتابة هذه المقالة، ثمة تسليم للسلاح من مخيّم البص في صور، يتبعه تسليم آخر في برج البراجنة وغيرها.

تسلّم سلاح المخيمات الفلسطينية يعني أن ثمة عزماً حكومياً بانسحاب ذلك على سلاح «حزب الله»، ولكن السؤال الأساسي: هل هذا الفضاء المحتقن سينتهي بعد موافقة الحزب على التنفيذ؟!

إن استعمال مفردة «الحرب الأهلية» من أمين عام «حزب الله» لم تكُن اعتباطية؛ بل هي العمود الفقري للممارسة الميدانية وأسّ نظري في خطابه لأتباعه.

إن فكرة الحرب الأهلية مطروحة باستمرار لدى الأحزاب الانفصالية باعتبارها عنوان بقائها الأبرز، إنها الرصاصة الأخيرة في جوف الذخيرة. ومن دون الاستعداد لمثل هذا التحدّي والتهديد، فلن نستبعد أن يصبح الناس على حدثٍ يشعل الحرب تحت شعاراتٍ عقائدية وانتقامية.

من الناحية النظريّة احتمالات الحرب الأهلية تكون عالية مع تضاؤل الدولة وتضعضعها. كل ضعف للدولة مظنة لإيقاظ النعرات والنزعات والنزوات الفردية والأقلّوية والقبلية والعرقية، هذه هي خلاصة التجربة البشرية.

يبوّب كل ذلك الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي عاصر الحرب الأهليّة الإنجليزية في القرن السابع عشر، وألهمتْه في فلسفته السياسية، حيث كتب عنها مؤلفين ولعنوانيهما رمزية فلسفية، فالأول: «اللفياثان» 1651 ويرمز لحيوان بحري خرافي له رأس تنين وجسد أفعى، وقد ورد في الكتاب المقدّس. الثاني: «بَهِيمُوث» 1668 وهو اسم وحشٍ آخر من العهد القديم يظهر في سفر أيوب.

في كتابه: «اللفياثان» كتب هوبز فصلاً بعنوان: «في أسباب إضعاف الدولة أو انحلالها»، يقول: «عندما ينتصر الأعداء، بحيث تفقد قوات الدولة السيطرة الميدانية، وذلك خلال حربٍ خارجية أو داخلية، ولم تعُد نزاهة الأفراد تؤمّن حمايتهم، يؤدي ذلك إلى انحلال الدولة، حينئذٍ يصبح لكل فردٍ حق حماية نفسه عبر اختيار الأساليب الصادرة عن تقديره الخاص. في الواقع يشكّل الحاكم المطلق الروح العامة التي تمنح الحياة والحركة إلى الدولة، وبما أن الدولة أصبحت ميتةً، يعني ذلك أن أطرافها لم تعُد تحت سيطرتها». (ص: 329).

هذه الجمل المكتوبة في القرن السابع عشر تمنحنا الدرس التاريخي الذي نكتشف عبره موعد الحرب الأهلية؛ المعادلة بسيطة، كل ضعفٍ في الدولة يؤدي إلى عودة الإنسان إلى ما يسميه هوبز حالة ما قبل الطبيعة، أي ما قبل التعاقد البشري بحيث يغزو الكل الكل، ويعود الإنسان من دولته إلى ظلّه، ومن وطنه إلى غريزته وسلاحه، ومن هنا تأتي الكارثة.

كل ما يعاش الآن من صراعاتٍ آيديولوجية وطائفية سببه ضعف التأسيس لمفهوم الدولة لدى العديد من المجتمعات العربية التي تآكلت نُظُمها بسبب الفساد، واللهو بالقضايا البعيدة، والتوغّل في الآيديولوجيات البعثية والاشتراكية واليسارية، ونظريات المؤامرة، وإعلانات المقاومة. انتماءات وممارسات أرهقت المجتمعات المنكوبة، فهم بين نارين موقدتين، نار تصلى المتفائلين الذين يريدون تحقيق أحلامهم، ونار المتشائمين اليائسين الذين ينتظرون مصيرهم، إنها رحلة الـ«بيْن بيْن» المرهقة.

الخلاصة؛ أن قوّة الدولة تكمن في بسط سيطرتها، وأي تآكل لمؤسساتها يعني اشتعال المجال العام، وتفسّخ المجتمع وعودته إلى غرائزيته ووحشيته، هكذا علّمتنا التجربة البشرية.

النقطة التي أختم بها أن الحزب حتى لو سلّم سلاحه يبرز سؤالٌ أساسي: من سينزع أفكاره؟!

إنها رحلة طويلة من أجل تجاوز كل هذا الهشيم، وإعمار ما سببتْه الأفكار الانتحارية من قتلٍ وتهجيرٍ وخراب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

معيار هوبز لنشوء حربٍ أهلية معيار هوبز لنشوء حربٍ أهلية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt