توقيت القاهرة المحلي 13:47:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحدث المكثّف ومعايير التقييم

  مصر اليوم -

الحدث المكثّف ومعايير التقييم

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لو عدنا لأحداث الإقليم منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى سقوط نظام الأسد، ورسمنا قوّة الأحداث وتصاعدها بيانياً لوجدنا أن ذروة الحدث كانت في بدئه، وخفّ ذلك تدريجياً، ووصل إلى مستوى متوسط بعد ثلاثة أشهر من الضربات، ولكنه سيتصاعد ويتفجّر بعد القرار الإسرائيلي بتربية وتأديب جبهة الإسناد في لبنان، وما كان «حزب الله» يتوقع أن تصل الأمور إلى ما آلت إليه، ظنّ أن الإسرائيلي منهك ومشغول في غزة، ولن يفتح جبهة شاسعة بالشكل الذي حدث، وقد اطمأن حسن نصر الله، قبل اغتياله، خاصة في أوائل شهور المواجهة والمشاغلة مع الإسرائيليين، أن الضربات ستكون في إطار محدود، ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان.

قررت إسرائيل أن تقضي على «حزب الله» كما قضيت على «حماس»، فضربت واغتالت الصفوف الأولى، ومنهم نصر الله، ومن ثم شنّت حرب «البياجر»، وهذا السيناريو لم يكن وارداً في تقديرات «حزب الله»، التي تنتمي إلى تقييم قديم للمواجهة مع إسرائيل، فهي دولة تتقدم علمياً وتكنولوجياً كل ثانية ودقيقة، ولا تمزح في هذا المجال. مواجهة 2006 صارت من الماضي، الفرق أن «حزب الله» بتخلفه توقّف عندها.

أخطر تقديرات للأمور أن يجرفك الحدث نحو العاطفة، وإذا رأيت الكل يتحدث التزم الصمت. هذه الموجات من الأحداث المكثّفة لن تكشف عن مكنونها في يومٍ وليلة، بل علينا ألا تأخذنا نشوة الحدث عن تقييمه، وتقدير احتمالات التأزيم الذي يمكن أن يجرّه.

ما يميّز الحكماء عبر التاريخ أنهم لا ينجرفون مع العواطف الجياشة العمومية، بل يأخذون الورقة والقلم ويحسبون كل شيءٍ بمقدار، فالحدث له كوامنه وليس على ظاهره، وكم من فرحة جرّت حروباً أهلية، وويلاتٍ إنسانية، ومآسي طائفية، علينا التركيز نحو المستقبل، فالحدث الجاري حالياً سيكشف عن تحدياتٍ وأزماتٍ كبيرة، فالحدث ينتج أزمته كما يعبر الفيلسوف الفرنسي إدغار موران في كتابه عن «مفهوم الأزمة».

فكرة الاضطراب لدى موران هي الفكرة الأولى التي تُظهِر مفهوم الأزمة، وهي في الواقع ذات وجهين، إذ يقول: «يمكن للحدث، أو للحادث، أي للاضطراب الخارجي، أن يتسبب في أزمة. بهذا المعنى، يمكن أن تكون مصادر الأزمة مختلفة مثل: موسم سيّئ، أو اجتياح تليه هزيمة... إلخ. ولكن الاضطرابات الأكثر إثارة ليست تلك الناجمة عن أزمات، إنّما المتأتيّة من عمليّة تبدو في الظاهر غير مشوّشة. وغالباً ما تظهر هذه العمليّات على صورة نموّ كبير جدّاً أو سريع لقيمة أو لشيء متغيّر: النموّ (المُفرط) لمجموعة سكانيّة بالنسبة إلى الموارد الموجودة في محيط مُعيّن (غالباً، في علم البيئة الحيوانيّة، يثير تخطي عتبة معيّنة من الكثافة الديموغرافيّة اضطرابات أزميّة في السلوكات، قبل شحّ الموارد)، أو كما يُقال في الاقتصاد الكلاسيكي: النموّ المفرط للعرض مقابل الطلب».

ومن هنا، يضيف موران: «تظهر الأزمة على أنّها غياب للحلّ (ظواهر اختلال وفوضى)، ويمكنها في النتيجة أن تستثير حلّاً (مثل ضبط جديد، وتحوّل تطوّري). إذن من الواضح أنّ ما هو مهمّ لمفهوم الأزمة ليس الاضطراب الخارجي الذي يُطلق في بعض الحالات مسار أزمة، بقدر ما هو الاضطراب الداخلي الناشئ عن عمليّات تبدو في الظاهر غير مشوّشة. والاضطراب الدّاخلي، النّاجم عن العبء أو المأزق المزدوج، سوف يعبّر عن نفسه أساساً على شكل تقصير في الضّبط، واضمحلال للاستقرار الداخلي، أي على شكل اختلال».

الخلاصة: الأحداث يجب ألا تقاس بمعايير عاطفية، ولا بصيغ خطابية، بل تقيّم ضمن انعكاسها الكلي. معيار كل حدثٍ عرضه على ميزان المصلحة أولاً، هناك زحف إنشائي يتجه نحو التقييم الأخلاقي للعمل السياسي، وهذا يجعل الواقع أقلّ قدرة على التكيّف مع المتغير، وربما تبدي الأيام بعض تفجّرات الحدث الكامنة... ربما.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحدث المكثّف ومعايير التقييم الحدث المكثّف ومعايير التقييم



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt