توقيت القاهرة المحلي 09:47:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»

  مصر اليوم -

الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»

بقلم : فهد سليمان الشقيران

في علم الأحياء ابتُكر مفهومُ «التأقلم الحيوي»؛ بحيث يتكيّفُ الإنسانُ مع التغيّرات السريعة سواءٌ على المستوى البيئي أو الطبيعي، ويختلف المدى الزمني لتحقيق التأقلم من فصيل إلى آخر، وهو مفهوم مفيد حتى للمهتمّين بتربية الحيوانات؛ حيث إن تكييفهم مع واقعٍ جديد يحتاج إلى دُربةٍ وصبر، وحالة التأقلم في عالم الكائنات وعلاقاتها بالطبيعة تختلف عن التأقلم الإنساني، وعليه فإنَّ المفهوم لا بد أن يُصحب باستجابة جدية للخروج من حالة الارتباك من التغيّر إلى مستوى متطوّر من الانسجام والانخراط في الواقع الجديد.

مفهوم التأقلم في عالم الطبيعة والكائنات، هو تأقلم صادق وعملي، أمَّا في عالم الآيديولوجيات والأفكار الشمولية فإنَّ ثمة معنى له آخر يمكن وصفه بـ«التأقلم الماكر». هذا حدث بعد انحسار الشيوعية في الثلث الأخير من القرن العشرين وصعود الليبرالية الغربية، حيث تشظّت الحالة الشيوعية وتقسّمت بين من عاند وبقي باكياً على الأطلال، وبين من تأقلم وحاول أن يحدّث من أفكاره الشيوعية ولو جزئياً تزامناً مع الهيمنة الليبرالية الغربية، وهذا واضحٌ في الأحزاب ذات الطابع الشيوعي في أوروبا.

في إقليمنا وبعد صعود الرؤى التنموية وتجريم التيارات الإخوانية بفروعها الصحويّ منها والسروري، وبعد ملاحقة مؤسساتها وتجفيف منابع تمويلها، طرح بعض الطيبين فكرة «نهاية الصحوة وانحسارها»، والواقع أنَّ من يفهم هذه التيارات يجد أنَّها تمارس حالة «التأقلم الماكر».

نعم، الدول والحكومات قامت بعملها ودورها لضرب هذه الجماعات والتيارات، ولكن نهايتها يحتاج إلى وقتٍ طويل، إنها رحلة طويلة وشاقة. الأصوليون يغتبطون ويفرحون بأطروحة «الانحسار»؛ لأنها تعطيهم فرصة لغضّ الأنظار عنهم والتقاط الأنفاس من أجل بناء مؤسساتٍ تعمل تحت الأرض.

على سبيل المثال، يرى الباحث خالد العضاض في حوارٍ معه قبل أيام نُشر على «العربية. نت» أن الجماعات «كانت تعتمد سابقاً على البنية الهرمية والاجتماعات السرية والمراسلات المغلقة والمشفرة، بينما اليوم باتت التنظيمات تتَّجه نحو (التموضع السائل)، حيث يكون العنصر مجردَ مستهلك رقمي للفكر وفي مرحلة أبعد منفذاً لها، دون عضوية مباشرة».

وأتفق معه في قوله: «التنظيم في صورته الحديثة يعتمد على ما يُسمى (التأثير الشبكي)، حيث تكون العلاقة مرنة لا تربطها هيكلة تنظيمية، بل روابط فكرية ومحتوى مشترك. لم تعد هناك حاجة إلى الاجتماعات الخاصة واللقاءات السرية، بل تحل مكانها قنوات مشفرة، ومنتديات إلكترونية، ومجموعات خاصة على (تلغرام) مثلاً، والبث المتكرر على منصات الفيديو».

نعم، إنَّ التيارات المتطرّفة هذه حالياً لا تحتاج إلى ظهورٍ علنيّ في المنابر والمساجد والكاسيت، كما كان حالها في العقود الماضية، بل إنَّ الفضاءات الممنوحة لها الآن أكبر بكثيرٍ مما حصلت عليه في الثمانينات والتسعينات؛ ولذلك فإنها تتغطّى الآن بألبسةٍ جديدة. لم يعد «الزيّ الدعوي» ضرورياً وربما لبسوا مثل الشباب العادي؛ ألبسة حديثة ونظيفة، وبلحى مهذّبة، وربما يراوغون في مدح بعض المشاريع من أجل غضّ النظر عن جذرهم الفكري، ومكرهم الخفي، هذا هو أسلوب الصحوة الذي يعرفه أصغر دارس في هذه الجماعات والتيارات المارقة.

الخلاصة أن الجماعات الأصولية ومنها الصحوة تنتهج حالياً استراتيجية التأقلم الشكلي، الذي أعتبره في غاية المكر والتضليل. إنَّني أتوقّع وأجزم أن ما يقولونه في مجالسهم الخاصة عكس الذي يبثونه عبر الإعلام، إن ما يقولونه وما يزعمونه مجرّد ادعاء بالتكيّف والتوافق مع التنمية والزمن الجديد الصاعد، وعليه فإنَّ من الواجب الحذر من هذا التشويش المقصود.

إنَّهم يعرفون أنَّ الإقليم ذاهبٌ إلى أفكار التنمية والإسلام المعتدل والتدين الطبيعي المحمود؛ ولذلك فهم يخافون من إعلان أفكارهم علناً، بل ربَّما قالوا عكسها بغية غضّ الأنظار عنهم.

إنَّ كل الكائنات الطبيعية تتأقلم بحيوية طبيعية استجابةً لنظم القوانين الكونية، غير أنَّ أصحاب النظريات الشمولية ومنها الظاهرة الأصولية يعاندون التغيّر، لا يعلمون أنَّ الزمن تجاوزهم وأنَّهم في زمنٍ ليس لتياراتهم ولا لأفكارهم ولا لرموزهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر» الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»



GMT 11:56 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

الهزيمة والنّصر في أدبيّات حروبنا

GMT 11:55 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

أذرع إيران لن تنجو..

GMT 11:54 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

عالم في عكس القانون

GMT 11:53 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة؟

GMT 11:52 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: السويس أو القلزم... لغة الماء

GMT 11:51 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

إسرائيل... تكريس الضم الفعلي للضفة

GMT 11:48 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

في أوكرانيا… انتصار روسي بطعم الهزيمة!

GMT 11:48 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

هل يلغي الزلزال الإيراني الزلزال العراقي؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt