توقيت القاهرة المحلي 11:57:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأصولية النائمة في شرق آسيا

  مصر اليوم -

الأصولية النائمة في شرق آسيا

بقلم : فهد سليمان الشقيران

منذ أواخر السبعينات انشغل المختصّون بالإسلام السياسي ونواحيه بموضوعاتٍ محددةٍ أخذت جلّ اهتمامهم ووقتهم وطاقتهم؛ وما كان التركيز على الأصولية شاملاً، بل أخذت بقع جغرافيةٍ معيّنة حيّزاً كبيراً؛ أصوليات آسيا الوسطى، والشرق الأوسط، والساحل الأفريقي كانت ولا تزال أساسيّة في مجالات البحث والتحليل لظواهر الأصوليات المتوالدة والصاعدة.

بيد أن المهمل في كل ذلك ما أسميه بـ«الأصوليّة النائمة» في شرق آسيا، تحديداً في جنوب شرق آسيا، وأقصد بالضبط «الأصولية في إندونيسيا»، التي أخذت حيّزاً من المشهدية الإعلامية والتحليلية في التسعينات مع تصاعد العنف والإرهاب آنذاك، وعليه فإن التذكير بهذا ضروري من أجل اكتمال الصورة حول الأصوليات المنغمسة في المجتمعات الإسلامية، التي تعمل بصمتٍ مخيف ومقلق.

لذلك اهتممتُ بكتابٍ أصدره «مركز المسبار للدراسات والبحوث» تحت عنوان «الإسلام الأرخبيلي في إندونيسيا: المجتمعات والجماعات ومكافحة الإرهاب». شارك فيه مجموعة من المتخصصين.

هدف الكتاب، كما في مقدمته، إلى درْس تاريخ الإسلام الإندونيسي وآليات تكيّفه السلمي مع التقاليد والعادات والممارسات الثقافية المحلية على مدار العصور، وانعكاس هذا التكيف الثقافي - الديني في المجتمعات المسلمة المحلية والوافدة، وأنماط تدينها الشعبي وتعليمها الديني، مؤرخاً لنشأة المؤسسات الإسلامية التقليدية وتأسيس الجمعيات، وعلى وجه التحديد جمعيتي «المحمّدية» (Muhammadiyah) (1912) و«نهضة العلماء» (Nahdlatul Ulama) (1926) الأكثر تأثيراً ونفوذاً في البلاد، مناقشاً طبيعة العلاقة بين الدين والسلطة في حقبة الديمقراطية والنهوض بالإصلاحات السياسية، آخذاً بالاعتبار المخاطر الناجمة عن الظاهرة الإسلاموية وظهورها المبكر ومخاطرها على الدولة والمجتمع والدين، مقابل جهود الحكومة الإندونيسية في مكافحة الإرهاب وتأهيل المتطرفين.

ألخّص بالتحديد موضوع الإرهاب في إندونيسيا. بمحور التنظيمات الإسلاموية الإرهابية في إندونيسيا، عرض الباحثان محمد سفيان (Muhammad Sofyan) ومحمد شوقي الله (Muhamad Syauqillah) لتاريخها ومساراتها؛ وجرت مقارنتها بمتغيرين تاريخيين: الأول، حرب بادري (Padri War) (1803-1837)؛ التي حملت بذور التشدّد الديني؛ وعكست التزاحم بين تشدد وافد من الخارج والإسلام الشافعي التقليدي المحلي؛ والمتغير الثاني، ظهر إثر إلغاء الخلافة سنة 1924، فظهرت حركات إسلاموية عدة، أبرزها حركة «دار الإسلام» (Darul Islam/DI) التي أُسست أواخر الأربعينات، على يد سيكارمادجي مريدجان كارتوسويرجو (Sekarmadji Maridjan Kartosoewirjo) (1907- 1962)، المتأثر بالأفكار اليسارية والقومية، مما أضفى على مشروعه بُعداً دينياً بل وثورياً.

لقد جذبت، كما يرى الباحثان، حركة «دار الإسلام» عسكريين سابقين ونشطت في مناطق عدة في إندونيسيا (جاوة الغربية، آتشيه، جنوب سولاويزي، كاليمنتان)، ولكنها لم تنجح في تحقيق مشروعها، وانتهت رسمياً بعد إعدام كارتوسويرجو سنة 1962، إلا أن أفكارها بقيت وتحوّرت في أشكال جديدة لاحقاً. وتوالت بعد ذلك موجات جديدة من التنظيمات مثل «الجماعة الإسلامية» التي تأسست في ماليزيا سنة 1993 وارتبطت لاحقاً بـ«تنظيم القاعدة»، ثم «مجلس المجاهدين الإندونيسي» الذي ركّز على تطبيق الشريعة، فـ«جماعة التوحيد والجهاد» بقيادة أمان عبد الرحمن، التي مثّلت مرحلة انتقالية نحو الولاء لتنظيم «داعش».

ومن ثم ظهرت «جماعة أنصار التوحيد» و«جماعة أنصار الدولة»، وهما امتداد طبيعي للانشقاقات الفكرية والتنظيمية عن الجماعات السابقة، وتبنّتا تدريجياً العمل المسلح والدعاية الإلكترونية. وتُظهر هذه التحوّلات أن التطرف في إندونيسيا لم يكن نابعاً من مدارس دينية راسخة، بل من شبّان تلقوا تعليماً غير تقليدي، متأثرين بتحولات خارجية يحملون غضباً تجاه الحكومات المحلية، ويخفون أنشطتهم الخيرية والدعوية، ما يسهّل تحولهم إلى خلايا نائمة، أو جماعات معزولة، أو حتى ذئاب منفردة.

الخلاصة؛ أننا أمام مشهد أصولي خافت ولكنه فعال؛ بخاصةٍ في القارات الرخوة التي يسهل الانغماس النظري والتنظيمي فيها، وحين ندرس الأصولية في إقليمنا وهي أعنف الأصوليات وأشدها فتكاً يجب ألا ننسى الأصوليات المنغمسة في شرق آسيا، وهذا الجانب الذي نجح في تحليله الباحثون في الكتاب آنف الذكر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأصولية النائمة في شرق آسيا الأصولية النائمة في شرق آسيا



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt