توقيت القاهرة المحلي 02:21:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«عم ليونيل»

  مصر اليوم -

«عم ليونيل»

عمرو الشوبكي

هذا الرجل قابلته فى فرنسا منذ ما يقرب من 20 عاما حين كنت أدرس فى باريس، وكان مناضلاً قديماً دهشت لكرمه وحديث الذكريات الذى لا يتوقف، بعد أن عرفنى به أحد الأصدقاء اليساريين التوانسة فى أحد المقاهى الأربعة الموجودة فى ساحة جامعة السوربون فى مواجهة نافورة المياه الشهيرة بالحى اللاتينى. تحدث الرجل عن الأممية الشيوعية وعن لينين وتروتسكى والمجرم ـ «Criminel» ـ ستالين، وعاد مرة أخرى ودافع عن دوره فى دحر النازية وبناء قاعدة صناعة قوية فى الاتحاد السوفيتى والحفاظ على راية الشيوعية، رغم أخطائه أو جرائمه. كنا فى منتصف التسعينيات حين قابلته وكنت فى أوائل الثلاثينيات وهو فى أوائل الخمسينيات، بعد أن تم تسريحه من إحدى مؤسسات البناء «البرجوازية» التى كان يعمل بها، وظللنا نلتقى على فترات متباعدة فى أوقات الفراغ والثرثرة فى مقهى هنا أو هناك، وكثيرا ما كان ينضم لنا بعض الدارسين العرب أو الأجانب، خاصة من أمريكا اللاتينية، واضطر عندها إلى الاستماع لجرعة من النضال الشيوعى الثورى، وأحيانا المسلح، وأنا الذى تقف حدود يساريتى عند إصلاحات عبدالناصر الاجتماعية وأمثاله من الاشتراكيين والمصلحين الاجتماعيين. كان الرجل من قيادات ثورة 68 الطلابية فى فرنسا وكان «رفيق» ليونيل جوسبان، رئيس وزراء فرنسا السابق، الذى اتهمه بخيانة الثورة والاشتراكية، وكانت إحدى عقده الرئيسية أن اسمه هو نفس اسم زعيم الحزب الاشتراكى الذى لا تعجبه اشتراكيته بالطبع، رئيس الوزراء السابق «ليونيل»، كان الأول لا يعرفه أحد، وكان الثانى ملء السمع والبصر، وكان الأول مع مجموعات أخرى ممن اعتبروا أنهم حافظوا على نقائهم الثورى، بقوا فى أماكنهم بلا عمل ثابت ولا مشروع سياسى يمثل بديلاً حقيقياً لسياسات النظام القائم، إنما فقط أصوات دائمة للرفض والاحتجاج، فى حين أن الثانى مع كثيرين مثله تفاعلوا مع النظام القائم، فغيروا وتغيروا عن طريق مشاركتهم فى أحزاب إصلاحية ذات توجه اشتراكى ديمقراطى. الغالبية العظمى من قيادات ثورة 68 أصبحوا قيادات أحزاب اشتراكية ديمقراطية أو انضموا لأحزاب الخضر وبعضهم انضم إلى أحزاب ليبرالية، أما نموذج «عم ليونيل» فقد حافظ على ما اعتبره نقاءه الثورى، ولم يكن يكره أحداً مثل رئيس الوزراء الذى يحمل نفس اسمه ولم يكن يتوقع للحظة أن يخون الثورة، إلى أن اكتشف أن كل رفاقه الذين كان يعرفهم فى ثورة 68 قد «خانوا» الثورة بهذا المعنى، لأنهم تحولوا وتغيروا وأصبحوا سياسيين داخل أحزاب وحركات سياسية إصلاحية وصلت للسلطة بصندوق الانتخابات وغيرت فى أشياء وتغيرت هى فى أشياء أخرى، وفى هذه الرحلة ـ التفاعل بين الثوريين والمنظومة القائمة ـ تجدد المجتمعات دماءها، لأن الثوار يغيرون فى هذه المنظومة ولا يسقطونها كما يتصورون فى البداية، كما أن المنظومة القائمة تغير فيهم أيضا. «68» لم تسقط النظام القائم، إنما كان تأثيرها الثقافى والاجتماعى والسياسى على المجتمع الفرنسى كبيرا وهائلا، أما نحن فالبعض يتصور أن القضية الوحيدة هى إسقاط مبارك وليس منظومته، فالأول سقط وسط هتافات الكثيرين، لكن منظومته لم تتغير كثيرا. مات «عم ليونيل»، بدايات هذا العام، وحيدا بلا عمل ولا أسرة ولا أبناء، وقد تكون مشكلته كما قلت له فى آخر لقاء منذ 10 سنوات أنه ظل يرى أن هناك ثورة دائمة، ولم ير أن فرنسا تغيرت بعد الثورة رغم بقاء الجنرال ديجول فترة واستمرار حكم اليمين الذى ثار عليه حتى عام 1981، تاريخ وصول الحزب الاشتراكى الإصلاحى للحكم، وليس من تبقى من رفاق «عم ليونيل». نقلاً عن جريدة "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«عم ليونيل» «عم ليونيل»



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt