توقيت القاهرة المحلي 01:06:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

موت الأخلاق

  مصر اليوم -

موت الأخلاق

بقلم : سوسن الأبطح

يموت بالقصف الإسرائيلي 100 لبناني كل يوم، ووصل عدد الجرحى إلى 1444 منذ بدء الحرب الحالية، ولا نزال في الأيام الأولى. ما يقارب مليون شخص غادروا منازلهم بسبب التهديدات المتلاحقة التي تطالبهم بالإخلاء القسري أو الموت. مساحة لبنان تضيق بساكنيه، ثمة اختناق ديموغرافي. أكثر من ثلث الأراضي اللبنانية لم تعد آمنة. الجغرافيا تتقلص، وقد أُفرغ الجنوب والبقاع وأجزاء من بيروت، تحت هول التهديد.

يفاخر وزير الجيوش الإسرائيلي يسرائيل كاتس لأن «تهجير مليون لبناني دليل على قوة إسرائيل». قبل سنوات قليلة، كان تصريحاً كهذا يخجل منه المسؤولون، ويعتبر جريمة حرب يعاقب عليها القانون. لكن النظام الدولي يتهاوى، والمكان أقرب إلى غابة، فيما المشهد على ما هو عليه «أبوكليبسي».

عندما قتل 100 مدني في «مجزرة قانا» في جنوب لبنان التي ارتكبتها إسرائيل عام 1996 خلال حرب «عناقيد الغضب»، روّعت مشاهد الجثث العالم، وانتشرت موجة سخط على إسرائيل، لم تعرف كيف تنجو منها، ورضخت لتحقيق أثبت عدوانيتها. يومها احتمى ما يقارب 100 مدني معظمهم من النساء والأطفال في مركز للأمم المتحدة ظناً منهم أنهم في مأمن، لكن إسرائيل قصفتهم عمداً. تلك كانت فضيحة للجيش الإسرائيلي، مشاهد الجثث الممزقة هزّت الوجدان، وأثارت استنكاراً، حرك الدبلوماسية على عجل. وتحت هول الكارثة أوقفت الحرب فوراً. في قانا اليوم مقابر المئة الذين قتلوا من غير ذنب، مزاراً لمن يريد أن يعتبر، لكن الأمر تغير كلياً. قتل 100 شخص بات روتيناً يومياً لا يحرك شعرة، ولا يهزّ ضميراً، وتنجح إسرائيل في كل مرة في اختبار الصمت العالمي.

قبل قانا بعام واحد كانت مجزرة «سربرنيتسا» نقطة تحول كبرى، بسبب اليقظة الضميرية. فبعد أن انتزع سلاح سكانها المسلمين بقرار من الأمم المتحدة، ووضعهم تحت الحماية الدولية، اجتاحت قوات صرب البوسنة بقيادة راتكو ملاديتش هذه المنطقة التي يفترض أنها آمنة. فصلوا الرجال والفتيان عن النساء، وأعدموهم بشكل جماعي. قُتل أكثر من 8 آلاف من المسلمين، في مجزرة وصفت وقتها بأنها «أسوأ مجزرة تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية». على إثره، ومع استمرار الحصار الصربي لسراييفو، اتخذ «الناتو» قراراً بالردّ على هذه «الوحشية»، وفعل. تغيرت موازين القوى، وبدأت مفاوضات أدت إلى اتفاقية «دايتون للسلام». قيم الفروسية التي حاولت تبنيها الأمم المتحدة انتهت، سقطت بالضربة القاضية.

لا مائة جثة كل يوم ولا مائة ألف في غزة هي قرابين كافية لإطلاق الأفواه المكممة عن قول الحق. المدنيون مجرد «أهداف» وفي أحسن الأحوال «أضرار جانبية». معارك تقتل مئات الأرواح تسمى «تصعيداً»، واحتلال لعشرات الكيلومترات بالكاد يسمى «توغلاً» مع أن ما نعيشه أكثر من «تغول».

عندما يصبح الموت الجماعي حرفة يومية تموت الإنسانية في الجلاد قبل أن تموت الضحية نفسها. الخشية أن كلمة «مجزرة» لم تعد تعني شيئاً، والاغتيالات أصبحت تقليداً، والتشرد قدراً، ومئات آلاف الأطفال بلا مدارس نموذجاً، وبعد أن كانت النساء يطالبن بحق العمل والسفر والمساواة في الراتب، صار أقصى حلم لنازحة في اليوم العالمي للمرأة «أن تحفظ السماء لكل امرأة بيتها».

الجيوش في حروبها تحتاج القضاء على أهداف عسكرية كي تنتصر، أما حين يكون المطلوب احتلالاً وتوسعاً وهيمنة، تصبح الأرض المحروقة سبيلاً، والفوسفور الأبيض أنجع الأسلحة لقتل الحياة في التربة، والسفك العشوائي وسيلة للإبادة.

في رواية كافكا البديعة «المسخ» يتحول غريغور سامسا إلى حشرة عملاقة، ومع ذلك لا يفزع ولا يهلع، يبقى بارداً متبلداً، لكنه يعيش غريباً عن ذاته وجوهره.

فالمسخ لم يصبح مجرد حشرة قذرة من تلقاء نفسه، فقد تحول إلى صرصور ضخم تحت ضغط الحياة المادية القاسية، واستعباد العالم له كإنسان كادح في ظل نظام رأسمالي يجرده من إنسانيته، ومن كل صفاته البشرية.

مسوخ نحن وسط هذا الجحيم، الذي حوّل وجودنا إلى مجرد رحلة بطيئة، بشعة وقاتمة. ولم يعد أمامنا وسط هذه الفوضى، سوى أن نسأل: «ماذا يجري حولنا؟».

وقبل أن ننسى. شكراً للمندوب الروسي في الأمم المتحدة، الذي امتلك الشجاعة والمروءة ليذكّر بأن «الجيش الإسرائيلي يستخدم القوة في لبنان بشكل مفرط»، لعل هذا أقصى ما يجب أن نتمناه!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

موت الأخلاق موت الأخلاق



GMT 00:13 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

صور غير تذكارية

GMT 00:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

رهان “الحزب” على اليمن…

GMT 00:00 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

نوم أفضل يعني جسما أرشق

GMT 23:59 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

هل نعلم أولادنا بالقسوة أم بالحب؟

GMT 23:58 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

استحضار الشاه عباس الصفوي اليوم

GMT 23:56 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

معركة إريتريا تحرِّك آلة الحرب الإثيوبية!

GMT 23:50 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

السودان: فرصة الحوار

GMT 06:33 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 16:07 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد
  مصر اليوم - فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد

GMT 21:26 2026 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

السيسي يوضح موقفه من تعديل الدستور ويؤكد دعم مصر لدول الخليج
  مصر اليوم - السيسي يوضح موقفه من تعديل الدستور ويؤكد دعم مصر لدول الخليج

GMT 03:33 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

قرار سعودي عاجل بشأن محاولات الحج بدون تصريح

GMT 16:05 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

نوع مهاجر متكاثر مهاجر عابر جديدين من الطيور

GMT 00:02 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

عطور نسائية برائحة الشوكولاتة

GMT 16:44 2020 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

اليوم طلائع الجيش يبدأ فترة الإعداد لانطلاق الموسم الجديد

GMT 01:38 2019 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

الأهلي يعلن رحيل لاعبه للاتحاد السكندري لمدة موسمين ونصف

GMT 21:45 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

ميك شوماخر يقترب خطوة أخرى من السير على خطى والده

GMT 07:42 2018 الأربعاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

نحو اقتصاد عربى متجه للمستقبل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt