بقلم: سليمان جودة
شاءت الطبيعة أن تضم هذه المنطقة من العالم ثلاثة مضايق على درجة عالية من الحيوية: مضيق جبل طارق بين المحيط الأطلنطى والبحر المتوسط. ومضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن وصولاً إلى المحيط الهندى. ومضيق هرمز بين الخليج العربى وبحر العرب وصولاً إلى المحيط الهندى أيضاً.
ولو أنت تطلعت إلى الخريطة فسوف تلاحظ أن المضايق الثلاثة ترسم ما يشبه الدائرة، وأن توقف الحركة فى أى منها يجعل الدائرة منقوصة، ويعطل دورة الحياه العالمية التى لا تكتمل إلا بسلامة المضايق الثلاثة معاً.
وعندما أصف الحركة فى المضيق بأنها «دورة حياه» فأنا أعنيها، لأن الحديث عن هرمز على أنه مجرد معبر لناقلات النفط إلى الصين، أو آسيا، أو أوروبا، هو حديث يأخذ القضية إلى تفصيلة من تفصيلاتها، بينما الحقيقة أن القضية أعم.. هى كذلك لأن كل مضيق من المضايق الثلاثة هو شريان تتدفق فيه الحياة بين أرجاء العالم بأكمله، وبالمعنى الأشمل لكلمة «حياة»، وليس مجرد معبر تذهب منه ناقلة من ناقلات النفط أو تجىء.
والذين يتابعون وقائع الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية لاحظوا أن الساعات الأخيرة شهدت تركيزاً للصراع فى مضيق هرمز على وجه التحديد، وجرى سجال حوله بين الرئيس الأمريكى ترامب، وأمين عام مجلس الأمن القومى الإيرانى على لاريجانى. وقد اشتد السجال بينهما واحتد، ثم بلغ حد التهديد والتلويح المتبادل.. كان التهديد أمريكياً باستهدف إيران بضربات مضاعفة، وكان التلويح إيرانياً بإغلاق مجرى هرمز!
ولا تعرف كيف تفكر إيران وهى تُلوّح بالإغلاق، أو تعطيل الحركة، أو زرع الألغام فى المجرى؟.. هذا انتحار من جانبها، واستعداء للعالم كله.. تماماً كما فعلت وتفعل بمُسيّراتها التى ترسلها على أهداف فى عواصم الخليج!.. فالخليج ليس طرفاً فى الحرب عليها، وكان ولا يزال يدعو إلى وقف الحرب، وكان ولا يزال داعياً إلى اعتماد الدبلوماسية طريقاً للحل.. ومع ذلك، فإن إيران تستعديه بما تمارسه، ثم تستعدى العالم بما تُلوّح به فى شأن المضيق.
هذا التلويح لا يجوز ولا يصح بأى معيار، وإذا كان هناك شىء يجب أن تبادر به طهران، فهذا الشىء هو نفى وجود أى نية للإغلاق، أو حتى تعطيل حركة الملاحة.. وإذا شئنا الدقة قلنا حركة الحياة لا حركة الملاحة.. إن الصين وروسيا وفرنسا تتبنى مبادرات جادة لوقف الحرب، وما تُلوّح به إيران يضرب مصالح الصين وفرنسا ومعهما أوروبا وبقية العالم!.. فكأن الإيرانيين يكررون خطأ استهداف مصالح أصدقاء لهم فى عواصم الخليج، باستهداف مصالح حلفاء لهم خارج الخليج مثل الصينيين والفرنسيين.
إذا ذهبت الدولة.. أى دولة.. إلى حرب، فإنها تُدير حربها ولا تضرب ضربا عشوائيا، وهذا ما يبدو أن إيران تفتقده، وهى فى أشد الحاجة إلى أن تستحضره، فلا تستعدى جيرانها فى الخليج، فضلاً عن استعداء العالم بما تقوله فى شأن المضيق.