توقيت القاهرة المحلي 09:59:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«السردية» والعلاقات الدولية

  مصر اليوم -

«السردية» والعلاقات الدولية

بقلم:مأمون فندي

جلستُ إلى أحد الإعلاميين ممن يدّعون أنَّهم من أساطين الواقعية في العلاقات الدولية، فتحدّث كثيراً عن رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر والمحافظين من أهل الواقعية السياسية، وبدا كأنه قرأ السيرة الذاتية لكليهما، وكيف تعاملا مع الاتحاد السوفياتي، ثم كيف تعاملت مارغريت ثاتشر وحليفها جورج هيربرت ووكر بوش مع صدام حسين، وحررا الكويت عام 1991، ولولاهما ما تحرر ذلك البلد. ثم تطرّق الحديث إلى الحرب الدائرة الآن بين أميركا وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى، وتركتُ له حبل الحديث، ثم فاجأني بالقول إنَّ المعركة اليوم هي «معركة سرديات». وقفتُ من مكاني كمن لسعته عقرب، وقلت: كيف؟ وشرح لي عن الإعلام ودوره، وكيف تسوّق الدول نفسها ومشروعاتها الآيديولوجية بالرموز والصور وإعلام السوشيال ميديا. وهذه المرة لم تكن قد لسعتني عقرب، بل لدغني ثعبان. قلت له: كيف تقول هذا وأنت، ومنذ لحظات، كنت تحدثني عن الواقعية في العلاقات الدولية وعن المحافظين وعن ريغان وبوش وثاتشر، وتقول لي إنك من أنصار الواقعية والمؤمنين بها؟

وحاولت أن أحكي له، دون أن أتسبب في حرج أو أبدو أستاذاً متعالياً، عن رحلتي منذ الماجستير والدكتوراه التي أنهيتها عام 1993، وعن السياسة والعلاقات الدولية التي تعلمتها بوصفها تجربة شخصية، دون أن أواجهه مباشرة في موضوع «السردية».

قلت له: أنا كنت مثلك تماماً في الثمانينات عندما بدأت دراسة الماجستير، واقعياً حتى النخاع، ومن تلاميذ كينيث والتز والواقعية الجديدة. حضرت له محاضرة كبرى في الاجتماع السنوي لجمعية العلوم السياسية الأميركية، وهناك شاهدت بداية المعركة الفكرية التي يتحدث الناس عنها اليوم وكأنها اكتشاف جديد.

يومها وقف مجموعة من الشباب المتأثرين بفوكو ودريدا وإدوارد سعيد وناقد مصري لا يعرفه كثيرون اسمه إيهاب حسن، وكان أستاذاً في جامعة ويسكنسون، وقفوا يهاجمون الواقعية الجديدة، ويقولون إنَّ العالم ليس مجرد صواريخ وردع وتحالفات، بل أيضاً صور وخطابات ورموز وسرديات. بعدها ظهرت كتب أصبحت لاحقاً مراجع لما يُسمى ما بعد البنيوية في العلاقات الدولية. لم أقل هذا لصاحبي بهذه الطريقة، بل كنت أكثر تبسيطاً.

وحكيت له عن مقالة ريتشارد آشلي الشهيرة «فقر الواقعية الجديدة»، التي هاجم فيها حياد المدرسة الواقعية. وقلت له عن كتاب ب. ج. ووكر «داخل/خارج: العلاقات الدولية كنظرية سياسية»، ليقول إن تقسيم العالم إلى «داخل آمن» و«خارج فوضوي» مجرد بناء ذهني صنعته الدولة الحديثة.

ثم حدثته عن صدمتي الكبرى عن جيمس دير ديريان وكتاب «العلاقات الدولية/النصية»، والذي كتبه مع مايكل شابيرو. والذي كان بمثابة البيان الأول لدخول ما بعد الحداثة في العلاقات الدولية، وهو كتاب من ضمن الكتب التي عرضتها للطلاب في جامعة جورجتاون كنقد لستيف والت تحديداً. ولم يستجب الطلاب كثيراً أيامها لفكرة أن الحرب ليست فقط دبابات وطائرات، بل أيضاً كاميرات وشاشات وصور وشعارات ومؤتمرات صحافية. كان ذلك عام 1997.

كان كينيث والتز يسخر من هذه الطروحات، ويصفها بأنها غموض فلسفي لا يقدم بديلاً حقيقياً. لكن المفارقة أن العالم اليوم يبدو أقرب إلى عالم دير ديريان منه إلى عالم والتز.

الحرب الحالية بين أميركا وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى هي واحدة من تجليات عالم ما بعد الحداثة، فلو استمعت إلى بعض المحللين لظننت أن مضيق هرمز يُغلق ويفتح كل ساعتين. لكن الحقيقة أن الأسواق لا تتحرك وفق الواقع البحري على سواحل عُمان وإيران، بقدر ما تتحرك وفق السردية التي تُبنى حول ذلك الواقع.

قد لا يتغير شيء فعلياً في حركة الملاحة أو تدفق النفط، لكن الأسعار تقفز لأنَّ شريطاً عاجلاً قال إن إيران «قد» تغلق المضيق، أو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد كتب منشوراً على منصته «تروث سوشيال»، ولمّح إلى «خيارات أخرى مطروحة»، أو لأن صورة ناقلة نفط مشتعلة اجتاحت مواقع التواصل. هنا تصبح السردية نفسها حدثاً اقتصادياً.

وهذه بالضبط كانت فكرة دير ديريان منذ الثمانينات: القوة ليست فقط في الصاروخ والأسطول، بل في القدرة على إنتاج صورة ذهنية عن الصاروخ والخطر المقبل. المستثمر لا يشتري النفط؛ لأنه رأى سفينة تتوقف في هرمز، بل لأنه يخاف من الرواية التي تقول إن شيئاً كبيراً قد يحدث غداً.

ولهذا أصبح الحديث عن «فتح» و«إغلاق» مضيق هرمز جزءاً من المعركة نفسها. فالمضيق يُغلق إعلامياً قبل أن يُغلق بحرياً، وتتحرك الأسواق بالمخيلة قبل أن تتحرك بالسفن.

كثير ممن يتحدثون اليوم عن «السردية» في العالم العربي يقدمون أنفسهم باعتبارهم واقعيين من مدرسة كيسنجر أو ميرشايمر أو والت، في حين مفهوم السردية نفسه جاء من نقد هؤلاء. الجمع بين والتز ودريدا في طبق واحد يُشبه خلط السوشي بالفسيخ، ثم الحديث عن الأصالة الفكرية.

الواقعية كانت ترى العالم باعتباره صراع قوى ومصالح. أمَّا جماعة ما بعد البنيوية فقالوا إنَّ تعريف «المصلحة» و«التهديد» نفسه جزء من المعركة. مَن يصنع الرواية يملك جزءاً من القوة.

ولهذا كنت أصعّد وأنا أستمع لذلك الإعلامي «الواقعي جداً»، وهو يشرح لي بحماس نظريات «السردية». الرجل، دون أن يدري، كان يتحدث بلغة خصوم الواقعية الذين كان والتز يسخر منهم قبل أربعين عاماً باعتبارهم مجرد فلاسفة غامضين متفرجين على الطريقة الأوروبية في الفلسفة. يبدو أن أفكار الثمانينات احتاجت نصف قرن كامل حتى تصل إلى بعضنا في الشرق الأوسط، لكنها وصلت أخيراً، بعد أن تحولت من مدرسة دراسات الاتساق الفكرية على الطريقة ما بعد الحداثية وما بعد البنيوية إلى موضة إعلامية. المهم أنها وصلت والسلام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«السردية» والعلاقات الدولية «السردية» والعلاقات الدولية



GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 07:11 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ماذا فى «جراب» الاتفاق الأمريكى- الإيرانى؟

GMT 07:09 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الانسحاب والاحتلال

GMT 07:07 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نحن الرجال عظماء!

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt