توقيت القاهرة المحلي 04:15:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لسنا فى «جاهلية جديدة» كما تصور سيد قطب (3-3)

  مصر اليوم -

لسنا فى «جاهلية جديدة» كما تصور سيد قطب 33

بقلم:عمار علي حسن

يوجد من يضاهى بين المدلول السائد لمصطلح «الجاهلية الجديدة» الذى صكه سيد قطب وأخوه محمد قطب، وتم تداوله بإفراط عند بعض الجماعات السياسية الإسلامية المتشددة، ومفهوم «الجوييم» أى «الأغيار» فى بعض الأدبيات اليهودية، والذى يرى فى الآخر نقيضًا للفضيلة والخير، فى ظل تمييز حاد بين اليهود «كشعب مقدس يحل فيه الإله»، وبين غيرهم، الذين هم فى نظرهم وثنيون واقعون خارج دائرة القداسة، وقد اتسع مفهوم «الأغيار» عند اليمين اليهودى المتطرف ليشمل حتى اليهود من العلمانيين، وهى الذريعة التى على أساسها قام شاب يهودى متطرف اسمه إيجال عامير بقتل رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحاق رابين.

وفى الواقع العملى، يمكن لفكرة رمى المجتمع المسلم بأنه جاهلى أن تقود إلى اعتبار بلاد المسلمين «دار حرب» على كل مؤمن بهذه الفكرة أن يدعو أهلها من جديد إلى الإٍسلام، وأن يقاتلهم إن لزم الأمر، بمن فيهم أهله وعشيرته وقومه، وحتى لو كان فيها ماله وتجارته.

وفتح اتهام المسلمين المعاصرين بالجاهلية بابًا آخر لـ«نظرية الحكم الإلهى»، ففى نظر سيد قطب فإن الجاهلية هى حكم البشر للبشر، والذى يعنى عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، وتأليه بعض الناس. وهنا يحاول إقناع من ينصت إليه بأن السبيل لمواجهة تلك الجاهلية هى الإنصات إلى من يريدون أن يكون «الحكم لله»، وبذلك تولد فرصة أمام الجماعات السياسية الإسلامية، لتقدم نفسها على أنها وحدها التى بوسعها أخذ الناس إلى حكم الله، والعمل بشريعته، والذى لا يعدو أن يكون فى النهاية حكم رجال منهم، يزعمون أنهم وكلاء الله فى الأرض، أو أنهم القادرون وحدهم على تأويل النصين القرآنى والنبوى، واستعادة حضور الإسلام فى المجال العام.

ويخالف مفهوم «الجاهلية الجديدة» الرؤية القرآنية والنبوية، ففى القرآن جاءت الكلمة فى أربعة مواضع، الأول تضمنته آية «َيظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ»، وهى هنا تتصل بالخوف من الموت، وضعف الإيمان. والثانى جاء فى آية: «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»، وهى تتعلق بعدم اتباع أحكام الشريعة والانسياق وراء الأهواء. أما الثالث فورد فى آية: «وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى»، وهى عن هيئة وسلوكيات النساء. والرابع يظهر فى آية: «إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ»، وهى عن آفة العصبية القبيلة التى كانت سائدة قبل الإسلام بين العرب.

وبشكل عام، جاء مصطلح الجاهلية فى النص القرآنى فى سياق تقويم بعض «المظاهر السلوكية» المرفوضة، التى كانت عند العرب قبل الإسلام، وكان الخِطاب فيها موجَّهًا إلى المسلمين، وليس إلى العرب غير المسلمين. فالجاهلية التى ينتقدها القرآن تتصل ببعض المشكلات السلوكية، ويمكن أن يقترفها المسلم وغير المسلم. فمعادلة الخير والشر، أو المعرفة والجهل، تشمل البشرية فى مختلف أطوارها وعصورها.

أما النبى (ص) فقد حدد مفهومه للجاهلية بعد الإسلام حين قال: «أربع فى أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر فى الأحساب، والطعن فى الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة».

وبذا لا يجوز للمسلم أن ينظر إلى المجتمعات الإسلامية بعين الكبر فى نفسه فيحتقرها أو يحط من شأنها أو يشكك فى عقيدتها، ومن ثم يعمم الحكم بالجهل والانحراف والهلاك على العموم، وهو ما يوضحه حديث النبى صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ».

أختم فأقول إن داخل الحركة السياسية الإسلامية نفسها من انتقد مفهوم «الجاهلية الجديدة» فها هو عمر عبيد حسنة يقول فى ثنايا كتابه «مراجعات فى الفكر والدعوة والحركة»: «لا شك أن الحكم على مجتمعات المسلمين اليوم بأنها مجتمعات جاهلية، أورث اعتقادًا داخليًا عند كل جماعة بأنها هى الإسلام أو المتحدث الرسمى باسمه، وما عداها جاهلى، وأنها جماعة المسلمين، وليست جماعة من المسلمين، عمليًا، وإنْ أنكرت ذلك نظريا، حتى أن الكثير من الجماعات التى ضيقت مفهوم الأخوة الإسلامية الشامل، لم تطق توسيع دائرة المشاركة، والخروج بالدعوة، من نطاق التنظيم والجماعة، إلى نطاق المجتمع والأمة، وإحداث التفاعل بينها وبين الإسلام، ما جعل منها أجسامًا منفصلة عن جسم الأمة، ومعاناتها وأهدافها».

إن نعت المجتمع فى أيامنا بالجاهلية، بدعوى ابتعاده عن الإسلام، وسيطرة تصورات وعادات وتقاليد عليه، يقوم على افتراض خاطئ يتوهم أن مجتمع الرسالة، أو ما يسميه سيد قطب نفسه «الجيل الربانى» و«الجيل الفريد» ممن كانوا مع النبى، وسماهم القرآن «محمد والذين معه»، قاموا بقطيعة كاملة مع الموروث المعرفى والاجتماعى الذى كان سائدًا قبل الإٍسلام. فالحقيقة أن كثيرًا مما كان سائدًا استمر، وتوازى الموروث مع ما أورده الإسلام، طالما أن ما فيه من قيم وعادات وطقوس وحكمة لا يناقض الدين الإسلامى أو يتصارع معه، بل إن هناك الكثير من المواقف التى تدل على أن الرسول نفسه أقر الكثير مما وجده فى مجتمعه، ومارسه وتآلف معه قبل الوحى.

من هنا يصبح رمى المجتمع بالجاهلية مجرد اتهام لا دليل عليه من النص أو الواقع، أو هو موقف نفسى نابع من تجربة مريرة أورثت صاحبها كراهية عميقة لمن حوله، وما حوله، وقد يكون مغالاة فى بناء صورة سلبية عن الزمن الراهن، ومغالاة أيضا فى تصور مثالية المجتمع الذى كان فى صدر الإسلام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لسنا فى «جاهلية جديدة» كما تصور سيد قطب 33 لسنا فى «جاهلية جديدة» كما تصور سيد قطب 33



GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt