توقيت القاهرة المحلي 20:14:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أمينة»

  مصر اليوم -

«أمينة»

حسن البطل

قصة: الزميل عبد الغني سلامة.
بكرة، الأحد، يوقع المؤلف كتاباً ثانياً جديداً «من سرق روايتي» في متحف محمود درويش. هنا قصة من مجموعته الأولى «قبل أن نرحل» الصادرة عن «اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين» ٢٠١٥.
انضم عبد الغني سلامة إلى كُتّاب الرأي في «الأيام» الكتابة الصحافية ستؤثر على أُسلوبه في كتابه الثاني. سنرى؟!
* * *
اسمي أمينة: آنسة ستينية، أمٌ عذراء لأطفالٍ لم أرضعهم، جدة لأحفاد لم ألدهم .. تعودتُ منذ صغري أن استسلم لقدري، رضيت أن أكون جسراً تعبر من فوقه ثلاثة أجيال، كنت البنت الكبرى لعائلة من ثمانية أفراد، أغلبهم ذكور، كان أبي يحبنا جميعاً، ولكنه كان يميز الأولاد، ويخصهم بالهدايا، ولا يُخفي حلمه بأن يراهم رجالاً ناجحين.. لم أسمعه مرة يقول أتمنى أن أراكن «سيدات مجتمع»، «طبيبات»، «معلمات وكالة» .. أي شيء .. عشت عمري وأنا أسدد فاتورة فقره، وأدفع أثمان أحلامه..
لم يمنعني من دخول المدرسة، لكنه كان يطالبني أن أنام باكراً لأصحو قبيل الفجر؛ فأعدّ القهوة لأخي، ثم أنتظره ليكملها، فأعد له الفطور، لكي يستعد جيداً للامتحان .. كانت أمي مريضة على الدوام، ومشغولة بأشياء كثيرة لا أذكرها الآن .. فكان مطلوباً مني القيام بكل واجبات البيت .. وهي مهمات لا تنتهي أبداً..
بعد رسوبي المتكرر، خرجتُ من المدرسة لأتفرغ كلياً لرعاية أمي، وخدمة كل من في البيت.. كبُر أخوتي .. دخلوا الجامعات، وتخرجوا منها، تزوجوا وأنجبوا، وكبر أولادُهم .. وكما خدمتهم ورعيتهم صغاراً، فعلت مع أطفالهم .. ثم فعلتها ثانية مع أحفادهم .. بكل الحنان وبنفس الإخلاص .. كنت سعيدة بهذه الأدوار، ومزهوّة برؤيتهم يكبرون، شاعرةً أني أقطف ثمار تضحياتي.
كنت في صباي عادية الجمال، لكني لا أذكر أني وضعت على وجهي أي مسحوق، حتى عندما كنت أمرض كانت أمي تكتفي بغلي الميرمية، وعندما أُصاب بالصداع كانت تلف حول رأسي منديلاً وتشده بقوة .. كل الذين تقدموا للزواج مني فعلوا ذلك لأني «ربة بيت ممتازة»، كانوا يأتون مع أطفالهم جاهزين .. كنت أرفضهم لأن أيا منهم لم يقف تحت نافذتي، لم ينتظرني عند أول الزقاق، لم يرسل لي رسالة واحدة، لم يتعثر وهو ينظر لي بلهفة .. كنت أبحث عن عاشق، وكانوا يبحثون عن مربية وطاهية ومدبرة منزل .. وكان أبي يرفضهم أيضا لأنه يدخرني لأبنائه..
لم أغادر البيت إلا ما ندر .. فلم أعرف أن خارج البيت عوالم كثيرة .. وأن الدنيا تموج بالحركة .. ثورات، اختراعات، حركات سياسية، بنيان، سفر، عواصم، حروب، كتب، حقوق إنسان ... بدأتُ مؤخراً اخرج بين الحين والآخر، أرى أشياء لم أكن أتوقع وجودها.. فتنتابني أحيانا رغبة جامحة لأن أفعل شيئاً ما .. أرقص، أغني، أزور بعض الصديقات، أتطلع إلى واجهات المحلات، ثم إلى النجوم، ثم إلى نفسي .. فأُصاب بخيبة أمل .. جسمي الذابل لم يعد يقوى على فِعل الأشياء التي أحلم بها .. عمري لا يسمح؛ فأعود مسرعة للبيت، لا أدري ماذا أفعل.
في الليالي الطوال .. أسهر وحيدة .. لا أجد من الذكريات إلا الطبيخ والغسيل وتحميم الأطفال، تأكلني مشاعر الوحدة والتعاسة والحرمان والبرد ... كان عزائي الوحيد أن أحظى بالتقدير .. تعويضاً عن عمري الضائع، وعن أطفالي الذين تمنيت إنجابهم، وعن محبوبي الذي انتظرته كثيراً .. ولم يأت أبداً.
كنت أسمعهم يتحدثون عن أشياء كثيرة لا أفهمها، وعندما أسألهم عنها يبتسمون .. كنت أشعر أنهم ينظرون إليّ بإشفاق، كما لو أنني تحفة .. ذات مرة جلست أمام جهاز الحاسوب فقام أصغرهم والتقط لي صورة، وقال بسخرية سأنزلها على «الفيسبوك» .. سألتهم ما هو هذا الشيء؟! ضحكوا من أعماقهم .. أحسست أن ضحكاتهم سمعها كل من في الشارع ..
في تلك الليلة الكئيبة، أحسست أن صلاحيتي انتهت .. وهؤلاء الذين ربيتهم كبروا ولم يعودوا بحاجة لي .. بكيتُ عن عمري كله .. تمنيتُ أن لا يطلعَ عليَّ الصباح.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أمينة» «أمينة»



GMT 06:43 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

GMT 06:39 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 06:19 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مراجعات الأولويات أولاً!

GMT 06:16 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

GMT 06:14 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان يهرول

GMT 06:12 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

خطاب ملك فى زمن ضجيج

GMT 06:11 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مطعمها حرام

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:50 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:29 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

تصميمات داخلية للمنزل المتواضع مع درجات ألوان مُحايدة

GMT 00:01 2025 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

الإسماعيلى ينتظر رد فيفا من أجل رفع إيقاف القيد مجددا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt