توقيت القاهرة المحلي 13:37:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من روائع أبي الطيب (27)

  مصر اليوم -

من روائع أبي الطيب 27

بقلم - تركي الدخيل

(73) وَمَا كُلٌّ بِمَعْذُورٍ بِبُخْلٍ * وَلَا كُلٌّ عَلَى بُخْلٍ يُلَامُ

الناس مختلفون من حيث العُذْرُ بالبُخلِ، على حَسَبِ أحوالِهم، ومراتبهم ومنازلهم، وما يُرجَى منهم وما لا يُرجَى. فالغني الموسر لا يُعذر على بخله، وعلى إمساكه عن الإنفاق، لأنّ الله جعل في ماله حقّاً معلوماً للسائلِ والمحرومِ. وكريمُ الطباعِ، حَسَنُ السَّجايَا، لا يُعذَر على شُحِّه، فالبُخلُ طَبْعُ الأَرَاذِلِ، ولا يَليق الطبعُ الحقيرُ بالشخصِ الشريفِ. ويُعذَر بالبُخلِ قليلُ ذاتِ اليدِ، ذو العُسرة، وصاحبُ الحاجةِ. وترتقي هِمَمُ الكِبَارِ فيلومُونَ على البُخلِ من نَشَأَ في بيتِ كَرَمٍ، وبالعكسِ يُعَذَرُ مَنْ لَمْ يَشُبَّ في رحابٍ كريمةٍ، فإِنّهُ ما عَرَفَ الكرَمَ عَمَلِيّاً، وَلَعَلَّهُ يَدخُلُ في دَائِرَةِ المَعذُورِ بِالجَهْلِ.

ولأبي تمَّام، في لُومِ الشَرِيفِ على التأخُرِ عَن الشَّرَفِ، قولُه:

لِكُلٍّ مِنْ بَنِي حَوَّاءَ عُذْرٌ * ولَا عُذْرٌ لِطَائِيٍّ لَئِيْمِ

ولأبي نواس بيتٌ يفيضُ حُزنَّاً، يقول فيه:

كَفى حَزَناً أَنَّ الجَوَادَ مُقَتَّرٌ * عَلَيْهِ وَلَا مَعْرُوفَ عِنْدَ بَخِيلِ

وغايةُ الجُودِ أن يُعْطي المرءُ مع قِلَّةِ ذاتِ اليَدِ، كما قال المُقَنَّعُ الكِنْديُّ:

لَيْسَ العَطَاءُ مِنَ الفُضُولِ سَمَاحَةً * حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَديْكَ قَلِيْلُ

وهذا النوعُ من العَطاءِ يعكِسُ الإيمانَ العميقَ بالفكرةِ، إلى درجةِ أنَّ تكالُبَ الظُّروفِ على الكريمِ لا يمنَعُه من الجُود على قِلَّة ما لدَيْه.

(74) إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ * فَلَا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ

هذا بيتٌ شريفٌ اختارَه المتنبي ليكون مطلعًا لقصيدته، وقد أحْسَن قولًا بهذا البيتِ الذائعِ الصيتِ، والمَثَلِ السَّائرِ.

غَامَرْتَ: المُغامرةُ هي المجازَفَةُ، والوُلوجُ في الصِّعَابِ والمَهَالِك. وتتضح المجازفةُ في المُغامرة من معناها المعجميِّ، جاء في (لسان العرب): «رَجُلٌ مُغَامِرٌ إِذَا كَانَ يَقْتَحِمُ المَهَالِكَ».

قال أبو عبدالله غفر الله له: غامرتُ: أي دخلتُ في الغَمَرَاتِ، وهي جمعُ غَمْرَةٍ: أصلُها الشيءُ الذي يَغْمُرُ الأشياءَ فيُغَطِّيها، ثم وُضِعت في موضِعِ الشَّدائدِ والمكارِه لأن الشدائدَ إذا أصابت المرءَ غمرتْه وأغرَقته فيها، فلا همَّ له غير همِّها.

شَرَف: الشَّرَفُ: العُلُوُّ والارتفاعُ، والشَّريف مِنَ النَّاسِ مَن كان عَالِي الْمَنْزِلَةِ. وشَرِيفٌ وَالْجَمْعُ شُرَفَاء وأَشْرَافٌ، وَقَدْ شَرُفَ، بِالضَّمِّ، فَهُوَ شَرِيف، وشَارِفٌ عَنْ قَلِيلٍ أَي سَيَصِيرُ شَرِيفاً... وَقَدْ شَرَفه وشَرَفَ عَلَيْهِ وشَرَّفَه: جَعَلَ لَهُ شَرَفًا، وَكُلُّ مَا فَضَلَ عَلَى شَيْءٍ، فَقَدْ شَرَفَ.

وشارَفَه فَشَرَفَه يَشْرُفه: فاقَه فِي الشرفِ، عَنِ ابْنِ جِنِّي. وَشَرفْتُه أَشْرُفه شَرْفاً أَي غَلَبْته بالشرَفِ، فَهُوَ مَشْرُوف، وَفُلَانٌ أَشْرَفُ مِنْهُ. وشارَفْتُ الرَّجُلَ: فَاخَرْتُهُ أَيُّنا أَشْرَفُ. (لسان العرب).

مَرُوم: مطلوبٌ مرغوبٌ فيه لِعُلُوِّه. «رَوَمَ: رَامَ الشيءَ يَرومُهُ رَوْمًا ومَراماً: طَلَبَهُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والمَرامُ المَطْلَبُ. ابْنُ الأَعرابي: رَوَّمْتُ فُلَانًا ورَوَّمْتُ بِفُلَانٍ إِذا جَعَلْتَهُ يَطْلُبُ الشَّيْءَ».

و«الشَّرَفُ، مُحَرِّكُهُ: العُلُو، والمكان العالي»، كما في (الكليات). فلا تُحَرِّكُ الدنيئات شرفاً، ولا تعاقِرُ الدنايا شريفاً، وحاشاه.

شبَّه المتنبي الغاياتِ المطلوبةَ العاليةَ بالنجوم في السماءِ، بجامِعِ العُلُوِّ والرِّفْعة، والسمُوِّ بينها.

في هذا البيت أيضاً، يُشجع المتنبي على السعي وراءَ الأهداف العالية، وعلى عدم القبول بأيِّ هدفٍ أدنى من الأعلى.

والنجمُ في هذا السياق رمزٌ للعَظَمة والسموِّ، كما أن الغَمْرَ في «شرفٍ مروم» يُمثل التضحيةَ والمخاطرةَ من أجل تحقيق العَظَمة. وبحجم الغاياتِ تكون الصعوباتُ، ويزيدُ تعبُ الأجسام، فالنفوسُ الكبيرةُ، أهدافُها عظيمةٌ، ولتتحقَّقَ هذه الأهدافُ تَبْذُلُ الأجسامُ جهداً مضاعفاً، فتتعَبُ في بلوغِ مُراد كبارِ النفوسِ، كما قال المتنبي:

وإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَاراً * تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ

إن المعالي تتطلب جهداً جسدياً ونفسياً، وبدون الاستعدادِ لتحمُّل هذا الجهدِ وقبولِ هذه المشاقِّ لا يمكن للشخصِ أن يصلَ إلى القِمةِ.

إن أبياتَ أبي الطيب المتنبي ليست مجرَّدَ تصويرٍ لحالةٍ فرديةٍ من المعاناةِ أو الألمِ في سبيل تحقيق الهدفِ، بل هي تلخيصٌ لرؤيةٍ فلسفيةٍ عميقةٍ تجاه الحياةِ والنجاحِ. فالعظمةُ لا تُمنح، بل تُكتسب، ولا تُنالُ بسهولة، بل بمشاقَّ وصعابٍ، ولكنها تستحِقُّ ما يُبْذَل من تعب للحصول عليها، ويَحِقُّ فيها ما يُقال في المثل الشعبي: «الغالي ثمنه فيه»، دلالةً على استحقاقِه غلاءَ ثمنِه.

(75) فَطَعْمُ المَوتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ * كَطَعْمِ المَوتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمِ

المَوْتُ هو المَوْتُ، لا يَتَغَيَّر طَعمُهُ بِحَسَبِ نَوْعِ المِيتَةِ! ولذلِكَ أَكَّدَ المتنبي أن الموتَ في أمر حقيرٍ، يتساوَى مع الموتِ في أمرٍ عظيمٍ، في تطابق طعم الرَحِيلِ في الحاليْن.

ولأبي الطيب بيتٌ آخرُ يقول فيه: وإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوتِ بُدٌّ * فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَكُونَ جَبَانَا فكيف إذا لم يكن من الموتِ بُدٌّ، وكان طعمُ الموت في الأمر الحقير والعظيم واحداً!

كل ذلك إنّما هو لتحفيزِك كي لا تقنعَ بما دون النجوم، وقد غامرتَ في شَرَفٍ مَرُومِ... لأنَّك شريفٌ، لا يليقُ بِكَ دُونٌ، ولو كان دونَ النجومِ!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من روائع أبي الطيب 27 من روائع أبي الطيب 27



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt