توقيت القاهرة المحلي 11:47:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

  مصر اليوم -

هل سكت ناقوس 5 يونيو

بقلم : عبد الرحمن شلقم

السنوات والشهور والأيام ترحل أرقامُها، وتغادر رزنامةَ التقويم الورقي، لكن الكثير منها تغوص أرقامُها في الذاكرة وتأبى أن تزول. يوم الخامس من شهر يونيو (حزيران) 1967 احمرت المكواة في جمر الزمن العربي المتموج. تحلق الحلم العربي راقصاً حول الكانون، مبتهجاً بألسنة بخور صوتية ترتفع منه، تصرخ وتغني وتَعِد. الإذاعات تحوّلت إلى منصات ودشم تُطلق الأصوات المدرعة، والصحف علت صفحاتها الأولى عناوين حمراء ضخمة. الناس تجمّعوا في البيوت والشوارع والميادين، من المحيط إلى الخليج، يشحنهم الهيجان حول الأيام التي يعصرهم انتظارُها، والعدُّ التنازليُّ للوقت بالساعات، لبداية اندفاع الجيوش العربية لتحرير أرض فلسطين المغتصبة. هامت الملايين بزغاريد وهم يرفرف فوق أفق عربي طويل، يلونه شفق الحماسة الهادر، وتعلوه حرارة الأناشيد وصراخ المذيعين الأشاوس. في صباح يوم الاثنين الساخن، صرخ المذيع من راديو «صوت العرب» في القاهرة، ليعلن للأمة بدايةَ الزمن العربي المنتظر. انتصارات تُسطَّر في المكاتب، وتهديها غرف البث من الإذاعات إلى الجماهير السادرة في نشوة الحلم التاريخي. لا صوت يهمس بسؤال، ولا خبير أو محلل سياسي أو صحافي يلقي بصوته أو بقلمه في وجه الطوفان الإذاعي الهادر. في اليوم التاسع من شهر يونيو ذاته سقط جبل الجمر الرهيب على رؤوس الملايين. شهق الرجال وسالت دموع النساء، عندما ملأت أخبار الهزيمة آفاق الدنيا، وانكسرت ثلاثة جيوش عربية أمام الجيش الإسرائيلي الصغير، ففي خمسة أيام احتلت إسرائيل أراضي عربية، مساحتها أضعاف مساحة أرض فلسطين. سقطت المكواة مع جمر الكانون على رؤوس الملايين عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته عبر الإذاعة المصرية، متحملاً مسؤولية الهزيمة.

في كل الحروب هناك منتصر ومنكسر. فرنسا في بدايات الحرب العالمية الثانية، استولى عليها الجيش النازي الألماني في أيام معدودة، وهربت بقايا الجيش الفرنسي مع الآلاف من الجنود البريطانيين من دنكرك، تاركين أسلحتهم للجيش الألماني. الاتحاد السوفياتي بجيوشه القوية، ومساحته الهائلة وقدراته التقنية والاقتصادية، اجتاحته القوات الألمانية في وقت قياسي، حتى صارت على مسافة قصيرة من أبراج الكرملين، لكن بالإرادة الصلبة للأمم واستعدادها للمقاومة والتضحية، تُهزم الهزائم ويتحقق النصر. الشعب المصري ومعه الشعوب العربية رفضوا الانكسار، وأصرَّ الجميع على عودة الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى موقع قيادة المعركة ضد إسرائيل، فعاد وبدأ معارك استنزافها، بعدما أعاد تنظيم قواته المسلحة بقيادات جديدة، وأسلحة أكثر تطوراً من الاتحاد السوفياتي. رحل الرئيس جمال عبد الناصر إلى الدار الآخرة قبل جبر الكسر البليغ الذي طال عظم الكيان العربي كله. اعتقد الإسرائيليون أن العرب، في مقدمتهم مصر، لن يتمكنوا من النهوض عسكرياً، وسيرضخون في صمت طويل للهزيمة الساحقة التي حلَّت بهم في 5 يونيو، وأن خط بارليف الإسرائيلي العالي على قناة السويس سيكون الدرع الترابية التي تمنع الجيش المصري من عبور القناة، لكن في يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 انهار جنون غرور التفوق الصهيوني، وعبَر الجيش المصري القناة، واندفع إلى داخل سيناء. نسخ تاريخٌ تاريخاً، وحلَّ يومٌ محلَ آخر على رزنامة السنين، وسطع نجمُ زعيم جديد هو أنور السادات.

تغيرت خريطة المنطقة عسكرياً وسياسياً، لكن ومضات النصر العسكري التي مسحت ظلام الهزيمة لم تشعّ في ثنايا العقول كما فعلت الحروب بهزائمها وانتصاراتها في الدول الحديثة المتحضرة، إذ شهدت مراجعات تأسيسية لتحديد مكامن الضعف والقصور في جميع مكونات الدولة، وجرت مراجعة المناهج التعليمية، والقواعد الإدارية، وكذلك البنى الاقتصادية والسياسية للدولة. وعلى نتائج تلك المراجعات، يُصار إلى إعادة هندسة البنية العسكرية للدولة.

في مصر قام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإصدار بيان 30 مارس (آذار) 1968 بعد هزيمة يونيو، ووسع هوامش الحرية الإعلامية والفنية، لكنه لم يتخذ خطوة تأسيسية في المجال السياسي، رغم أنه أعلن في أكثر من مناسبة أن حرية العمل السياسي هي الضمان للنهوض والتقدم وتحقيق النصر. المتلازمة التي لا تغيب في دولنا هي عدم نشر الوثائق بعد مرور مدة محددة من الزمن، وصدور قوانين تشرع ذلك، بما فيها ما يتعلق بالحروب وخلفياتها ومساراتها ونتائجها، وغيرها من القضايا التي تمثل محطات حيوية مهمة في مجريات الحياة الوطنية. غياب لجان التحقيق التي تشكل في بعض الدول، وتتولى دراسة خلفيات إدارة الحروب، وكشف نتوءات الخلل والتقصير، وتوصي باتخاذ إجراءات معينة، في حالة وجود تقصير أو سوء تقدير.

ما حدث في الخامس من يونيو 1967، والهزيمة الساحقة التي حلت بكل العرب، لم تكن هزيمة عسكرية واحتلالَ أراض فحسب، بل معنوية ونفسية، وكشفت حجم الوهن والتخلف، الذي حلَّ بالكيان العربي، وهي الناقوس الذي لم يسكت إلى اليوم، إذ يتواصل الاجتياح الاسرائيلي للأراضي العربية، والقتل والدمار والتوسع من دون رادع. نواقيس يونيو لم تسكت، لكن اليقظة العقلية والعلمية التحديثية في ربوعنا يبدو أنَّ لا آذان لها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل سكت ناقوس 5 يونيو هل سكت ناقوس 5 يونيو



GMT 06:38 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الانكشاف اللبنانى.. الأسئلة المتفجرة!

GMT 06:31 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

أسباب غريبة للسعادة فى فيينا!

GMT 06:06 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

إنقاذ مشروع قومى!

GMT 06:04 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

هل يتغير ميزان الخوف فى المنطقة؟

GMT 06:03 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

مؤسسات دولية بنكهة إبستينية!

GMT 06:01 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

ما بعد الأيام

GMT 05:58 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الأسئلة …!

GMT 05:56 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

حين تغيب الحقيقة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:22 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 11:46 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

محمد صلاح يقود نادي "ليفربول" ضد "كارديف سيتي" السبت

GMT 08:51 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

توازن بين حياتك الشخصية والمهنية

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 11:27 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الإصابات تضرب الأهلي قبل عودة الدوري

GMT 22:48 2016 الثلاثاء ,29 آذار/ مارس

فوائد الليمون الهندي

GMT 23:02 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

السبانخ و البيض و المحار لتقوية الشعر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt