توقيت القاهرة المحلي 10:06:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

  مصر اليوم -

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين

بقلم:عبد اللطيف المناوي

يرى كثيرون أن صعود المؤثرين وصناع المحتوى يمثل انتصارًا للسطحية على العمق، وأن الثقافة الجادة أصبحت ضحية لعصر السرعة. وهناك ما يدعم هذا الرأى. فالمنصات الرقمية تكافئ المحتوى السريع والمثير والقابل للمشاركة أكثر مما تكافئ الأفكار المعقدة والتحليلات المطولة.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. ففى الوقت نفسه أتاحت التكنولوجيا فرصًا غير مسبوقة لنشر المعرفة. هناك أكاديميون ومؤرخون وخبراء استطاعوا الوصول إلى ملايين الأشخاص عبر المنصات الرقمية، وهو جمهور لم يكن من الممكن الوصول إليه عبر الوسائل التقليدية. المشكلة إذن ليست فى التكنولوجيا نفسها، بل فى كيفية استخدامها.

لقد شهد العالم انتقالًا من عصر النخبة إلى عصر الشبكات. فى القرن العشرين كانت الأفكار تتحرك غالبًا من أعلى إلى أسفل، من المفكر إلى الصحيفة ثم إلى الجمهور. أما اليوم فإن الأفكار تتحرك داخل شبكات متداخلة، حيث يمكن لفرد مجهول أن يطلق فكرة تنتشر عالميًا خلال ساعات.

هذا التحول منح المجتمعات قدرًا أكبر من المشاركة، لكنه فى الوقت نفسه أضعف المرجعيات التقليدية. لم يعد هناك صوت واحد يحتكر التفسير، ولا مؤسسة واحدة تحتكر الحقيقة. وأصبح المجال العام أكثر ديمقراطية، لكنه أيضًا أكثر فوضوية.

وهنا يظهر سؤال أكثر أهمية من السؤال حول عدد المتابعين أو حجم الانتشار، من يصنع الوعى العام؟

المتابعات والمشاهدات تمنح النفوذ، لكنها لا تضمن الفهم. فالمؤثر يستطيع تشكيل المزاج العام بسرعة، لكنه لا ينتج بالضرورة المعرفة التى تبنى رؤية طويلة المدى. أما المفكر والباحث فدوره مختلف، إذ ينتج الأفكار التى تشكل البنية الفكرية للمجتمع، حتى وإن كان تأثيره أبطأ وأقل صخبًا.

 

التاريخ يعلمنا أن الشعارات قد تحرك الجماهير، لكن الأفكار هى التى تعيد تشكيل المجتمعات. وقد يستطيع مقطع قصير أن يغير اتجاه نقاش عام، لكن إعادة بناء الوعى تحتاج إلى جهد معرفى أطول وأكثر عمقًا. لذلك ربما يكون الحديث عن «نهاية المثقف» مبالغًا فيه. ما انتهى فى الواقع هو نموذج المثقف التقليدى بوصفه المرجعية الوحيدة وصاحب الصوت الأعلى. أما الحاجة إلى التفكير والتحليل وإنتاج الأفكار فلم تتراجع، بل أصبحت أكثر إلحاحًا فى عصر الفوضى المعلوماتية.

التحدى الحقيقى أمام المثقف اليوم ليس استعادة مكانته القديمة، بل إعادة تعريف دوره. لم يعد كافيًا أن يمتلك المعرفة، بل عليه أيضًا أن يمتلك القدرة على التواصل. ولم يعد كافيًا أن ينتج الأفكار، بل عليه أن يجد الطريق الذى يجعلها تصل إلى الناس.

لم تنتصر التفاهة على الثقافة، ولم يخسر المثقف معركته نهائيًا. ما حدث ببساطة هو أن قواعد اللعبة تغيرت. ومن لا يدرك ذلك سيظل يتحدث من فوق منصة لم يعد أحد ينظر إليها، بينما تتشكل عقول الأجيال الجديدة فى مكان آخر تمامًا.

ويبقى التحدى، هل يستطيع المثقف أن يتعلم لغة العصر دون أن يفقد عمقه أم أن المستقبل سيكون بالكامل لمن يجيد صناعة الانتباه أكثر مما يجيد صناعة الأفكار؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين



GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:51 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مسار سعد نصار

GMT 07:49 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

كيان لبنان المارونى الصغير

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 02:44 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

تكساس الأميركية تسجل 4 إصابات جديدة بالحصبة

GMT 09:36 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الدلو

GMT 02:30 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

وصفة طبيعية لتفتيح الهالات السوداء تحت العين

GMT 21:19 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

زهير مراد يعلن عن فساتين زفاف لربيع وصيف 2017

GMT 11:21 2025 الأحد ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

عبايات عصرية مستوحاة من أسلوب مدونات الموضة الإماراتيات

GMT 15:23 2025 الجمعة ,12 أيلول / سبتمبر

مواصفات هاتف هونر الجديد Honor X50i+

GMT 08:06 2018 الأربعاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

فوائد الشمام لتخفيض خطر الإصابة بأمراض الرئة

GMT 10:44 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الأهلي يواجه الزمالك في ختام سوبر اليد الليلة

GMT 23:37 2021 الإثنين ,11 تشرين الأول / أكتوبر

مباحثات بين أمير قطر وملك الأردن الثلاثاء في الدوحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt