توقيت القاهرة المحلي 04:44:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

  مصر اليوم -

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين

بقلم:عبد اللطيف المناوي

يرى كثيرون أن صعود المؤثرين وصناع المحتوى يمثل انتصارًا للسطحية على العمق، وأن الثقافة الجادة أصبحت ضحية لعصر السرعة. وهناك ما يدعم هذا الرأى. فالمنصات الرقمية تكافئ المحتوى السريع والمثير والقابل للمشاركة أكثر مما تكافئ الأفكار المعقدة والتحليلات المطولة.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. ففى الوقت نفسه أتاحت التكنولوجيا فرصًا غير مسبوقة لنشر المعرفة. هناك أكاديميون ومؤرخون وخبراء استطاعوا الوصول إلى ملايين الأشخاص عبر المنصات الرقمية، وهو جمهور لم يكن من الممكن الوصول إليه عبر الوسائل التقليدية. المشكلة إذن ليست فى التكنولوجيا نفسها، بل فى كيفية استخدامها.

لقد شهد العالم انتقالًا من عصر النخبة إلى عصر الشبكات. فى القرن العشرين كانت الأفكار تتحرك غالبًا من أعلى إلى أسفل، من المفكر إلى الصحيفة ثم إلى الجمهور. أما اليوم فإن الأفكار تتحرك داخل شبكات متداخلة، حيث يمكن لفرد مجهول أن يطلق فكرة تنتشر عالميًا خلال ساعات.

هذا التحول منح المجتمعات قدرًا أكبر من المشاركة، لكنه فى الوقت نفسه أضعف المرجعيات التقليدية. لم يعد هناك صوت واحد يحتكر التفسير، ولا مؤسسة واحدة تحتكر الحقيقة. وأصبح المجال العام أكثر ديمقراطية، لكنه أيضًا أكثر فوضوية.

وهنا يظهر سؤال أكثر أهمية من السؤال حول عدد المتابعين أو حجم الانتشار، من يصنع الوعى العام؟

المتابعات والمشاهدات تمنح النفوذ، لكنها لا تضمن الفهم. فالمؤثر يستطيع تشكيل المزاج العام بسرعة، لكنه لا ينتج بالضرورة المعرفة التى تبنى رؤية طويلة المدى. أما المفكر والباحث فدوره مختلف، إذ ينتج الأفكار التى تشكل البنية الفكرية للمجتمع، حتى وإن كان تأثيره أبطأ وأقل صخبًا.

 

التاريخ يعلمنا أن الشعارات قد تحرك الجماهير، لكن الأفكار هى التى تعيد تشكيل المجتمعات. وقد يستطيع مقطع قصير أن يغير اتجاه نقاش عام، لكن إعادة بناء الوعى تحتاج إلى جهد معرفى أطول وأكثر عمقًا. لذلك ربما يكون الحديث عن «نهاية المثقف» مبالغًا فيه. ما انتهى فى الواقع هو نموذج المثقف التقليدى بوصفه المرجعية الوحيدة وصاحب الصوت الأعلى. أما الحاجة إلى التفكير والتحليل وإنتاج الأفكار فلم تتراجع، بل أصبحت أكثر إلحاحًا فى عصر الفوضى المعلوماتية.

التحدى الحقيقى أمام المثقف اليوم ليس استعادة مكانته القديمة، بل إعادة تعريف دوره. لم يعد كافيًا أن يمتلك المعرفة، بل عليه أيضًا أن يمتلك القدرة على التواصل. ولم يعد كافيًا أن ينتج الأفكار، بل عليه أن يجد الطريق الذى يجعلها تصل إلى الناس.

لم تنتصر التفاهة على الثقافة، ولم يخسر المثقف معركته نهائيًا. ما حدث ببساطة هو أن قواعد اللعبة تغيرت. ومن لا يدرك ذلك سيظل يتحدث من فوق منصة لم يعد أحد ينظر إليها، بينما تتشكل عقول الأجيال الجديدة فى مكان آخر تمامًا.

ويبقى التحدى، هل يستطيع المثقف أن يتعلم لغة العصر دون أن يفقد عمقه أم أن المستقبل سيكون بالكامل لمن يجيد صناعة الانتباه أكثر مما يجيد صناعة الأفكار؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين



GMT 04:44 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

سفارة مغربية فى القدس

GMT 04:41 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

المشروع!

GMT 04:39 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

قمة عربية عاجلة

GMT 04:37 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

جوانتانامو إسرائيلى

GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt