توقيت القاهرة المحلي 10:45:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

  مصر اليوم -

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين

بقلم:عبد اللطيف المناوي

يرى كثيرون أن صعود المؤثرين وصناع المحتوى يمثل انتصارًا للسطحية على العمق، وأن الثقافة الجادة أصبحت ضحية لعصر السرعة. وهناك ما يدعم هذا الرأى. فالمنصات الرقمية تكافئ المحتوى السريع والمثير والقابل للمشاركة أكثر مما تكافئ الأفكار المعقدة والتحليلات المطولة.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. ففى الوقت نفسه أتاحت التكنولوجيا فرصًا غير مسبوقة لنشر المعرفة. هناك أكاديميون ومؤرخون وخبراء استطاعوا الوصول إلى ملايين الأشخاص عبر المنصات الرقمية، وهو جمهور لم يكن من الممكن الوصول إليه عبر الوسائل التقليدية. المشكلة إذن ليست فى التكنولوجيا نفسها، بل فى كيفية استخدامها.

لقد شهد العالم انتقالًا من عصر النخبة إلى عصر الشبكات. فى القرن العشرين كانت الأفكار تتحرك غالبًا من أعلى إلى أسفل، من المفكر إلى الصحيفة ثم إلى الجمهور. أما اليوم فإن الأفكار تتحرك داخل شبكات متداخلة، حيث يمكن لفرد مجهول أن يطلق فكرة تنتشر عالميًا خلال ساعات.

هذا التحول منح المجتمعات قدرًا أكبر من المشاركة، لكنه فى الوقت نفسه أضعف المرجعيات التقليدية. لم يعد هناك صوت واحد يحتكر التفسير، ولا مؤسسة واحدة تحتكر الحقيقة. وأصبح المجال العام أكثر ديمقراطية، لكنه أيضًا أكثر فوضوية.

وهنا يظهر سؤال أكثر أهمية من السؤال حول عدد المتابعين أو حجم الانتشار، من يصنع الوعى العام؟

المتابعات والمشاهدات تمنح النفوذ، لكنها لا تضمن الفهم. فالمؤثر يستطيع تشكيل المزاج العام بسرعة، لكنه لا ينتج بالضرورة المعرفة التى تبنى رؤية طويلة المدى. أما المفكر والباحث فدوره مختلف، إذ ينتج الأفكار التى تشكل البنية الفكرية للمجتمع، حتى وإن كان تأثيره أبطأ وأقل صخبًا.

 

التاريخ يعلمنا أن الشعارات قد تحرك الجماهير، لكن الأفكار هى التى تعيد تشكيل المجتمعات. وقد يستطيع مقطع قصير أن يغير اتجاه نقاش عام، لكن إعادة بناء الوعى تحتاج إلى جهد معرفى أطول وأكثر عمقًا. لذلك ربما يكون الحديث عن «نهاية المثقف» مبالغًا فيه. ما انتهى فى الواقع هو نموذج المثقف التقليدى بوصفه المرجعية الوحيدة وصاحب الصوت الأعلى. أما الحاجة إلى التفكير والتحليل وإنتاج الأفكار فلم تتراجع، بل أصبحت أكثر إلحاحًا فى عصر الفوضى المعلوماتية.

التحدى الحقيقى أمام المثقف اليوم ليس استعادة مكانته القديمة، بل إعادة تعريف دوره. لم يعد كافيًا أن يمتلك المعرفة، بل عليه أيضًا أن يمتلك القدرة على التواصل. ولم يعد كافيًا أن ينتج الأفكار، بل عليه أن يجد الطريق الذى يجعلها تصل إلى الناس.

لم تنتصر التفاهة على الثقافة، ولم يخسر المثقف معركته نهائيًا. ما حدث ببساطة هو أن قواعد اللعبة تغيرت. ومن لا يدرك ذلك سيظل يتحدث من فوق منصة لم يعد أحد ينظر إليها، بينما تتشكل عقول الأجيال الجديدة فى مكان آخر تمامًا.

ويبقى التحدى، هل يستطيع المثقف أن يتعلم لغة العصر دون أن يفقد عمقه أم أن المستقبل سيكون بالكامل لمن يجيد صناعة الانتباه أكثر مما يجيد صناعة الأفكار؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt