توقيت القاهرة المحلي 17:53:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لَا أَحسَبُ الشَّرَّ جَاراً!

  مصر اليوم -

لَا أَحسَبُ الشَّرَّ جَاراً

بقلم:تركي الدخيل

هَذانِ بَيْتَانِ جَمِيلَانِ، فِيهِمَا بَيَانُ إمْضَاءِ سُلطَانِ العَقلِ، وَالاقْتِيَادِ بِمُقْتَضَى الحِكْمَة، فِي اتِّخَاذِ قَرَاراتٍ شَخْصِيَّة، فِي أَحْوَالٍ تَمُرُّ بِالنَّاسِ كَافَة، فَيَسْعُدُ مَنْ يَفعَلُ مِثلَ الشَّاعِر، وَيَشْقَى مَنْ يَخْتَارُ خياراً مُناقِضاً لِلْأوَّل.

لَا أَحْـسَـبُ الشَّرَّ جَاراً لَا يُفَارِقُني

وَلَا أَحُزُّ عَـلَى مَا فَاتَنِي الْوَدَجَا

وَمَا نَزَلْتُ مِنَ الْمَكْـرُوْهِ مَنْـزِلَةً

إِلَّا وَثِقْتُ بِأَنْ أَلْقَى لَهَا فَرَجَا

يُحدّثُنَا الشَّاعِرُ عَنْ سِيَاسَتِهِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَحْدَاثِ، فَعِنْدَمَا يَمُرُّ بِه الشَّرُّ، يَعْتَبِرُهُ مُرُوراً عَابِراً، لَا طَوِيلَ إِقَامَة.

وَاسْتَخْدَمَ الشَّاعِرُ فِي تَقْيِيمِهِ الشَّرَّ، مِثَالَ: الجَار المُقِيم، إذْ أنَّهُ لَا يَحْسَبُه جَاراً غَيرَ مُفَارِق.

وَوَصْفُهُ الجَارَ بِالمُقِيم، لِلتَّفْرِيقِ بَينَهُ وَبَيْنَ الجَارِ المُتَحَوِّل، فَالجِيرَةُ تَكُونُ عَارِضَةً وَدَائِمَة.

ويَنتَقِلُ الشَّاعِرُ فِي عَجْزِ البَيْتِ لِلْحَدِيثِ عَنْ فَوَائِتِ الأَشْيَاءِ، إذْ لَا يَجْعَلُ حُزْنَهُ عَلَى مَا مَضَى يُودِي بِهِ إلَى حَتْفِهِ، مُعَبِّراً عَنْ هَذَا الحَتْفَ بـِحَـزِّ الوَدَج. وَالحَزُّ: هُوَ القَطْعُ. وَالوَدَجُ: عِرْقٌ فِي الرَّقَبَةِ، يُعِيدُ الدَّمَ من الرَّأسِ إلَى القَلْبِ، يَنْتَفِخُ عِنْدَ الغَضَب، وَيُقَالُ فِي المَثَلِ: «انْتَفَخَتْ أَوْدَاجُه»، إذَا غَضِبَ، وَالوَدَجُ عِرْقُ الحَيَاة، لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِ لِلذَّبْح.

وَقَصَدَ الشَّاعِرُ أنْ يَقُولَ: أنَا لَا أَحْزَنُ عَلَى مَا يَفُوتُ وَيَمْضِي، إلَى حَدِّ قَتْلِ النَّفْسِ بحَزِّ عُنُقِي، وَالحَدِيثُ عَنْ قَتْلِهِ نَفْسَه، تَعْبِيرٌ عَنْ الحُزْنِ العَظِيم.

وَفِي البَيْتِ الثَّانِي، يَقُولُ:

وَمَا نَزَلْتُ مِنَ الْمَكْـرُوْهِ مَنْـزِلَةً

ِلَّا وَثِقْتُ بِأَنْ أَلْقَى لَهَا فَرَجَا

يُشَبِّهُ الشَّاعِرُ مُوَاجَهَةَ المَكْرُوهِ بِالرّحْلَةِ الّتِي يَنْزِلُ المُسَافِرُ خِلَالَهَا بِمَنَازِلَ لِلرَّاحَةِ ثُمَّ يَعُودُ لِمُوَاصَلَةِ سَيْرِه.

وَقَوْلُهُ: «وَمَا نَزَلْتُ مِنَ الْمَكْرُوْهِ مَنْزِلَةً»، أرَادَ بِهِ: مَا أَصَابَنِي مَكْرُوهٌ فِِي حَوَادِثِ الأَيَّام.

وَقَوْلُهُ: «إِلَّا وَثِـقْـتُ بِأَنْ أَلْقَى لَهَا فَـرَجَا»، يُرِيدُ بِهِ: إلَّا أيقَنتُ أَنَّ بعدَ العُسرِ يُسراً، وبعدَ الضِّيقِ سَعَةً.

وَالبَيْتَانِ لِلشَّاعِرِ عَبدِ اللهِ بْنِ الزَّبِيْرِ الأَسَدِيِّ، مِنْ أَسَدِ بنِ خُزَيمَةَ. «وَالزَّبِيرُ بِفَتْحِ الزَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا، وَكَسْرِ البَاءِ بَعْدَها».

وَعَادَةً مَا يَخْتَلِطُ اسْمُ هَذَا الشَّاعِرِ مَعَ اسْمِ الصَّحَابِي، عًبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَير «بِضَمِّ الزَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا، وَفَتْحِ البَاء» بنِ العَوَّامِ الأسدِيّ، مِنْ أَسدِ قُرَيش، وَالِدُهُ: الزُّبَير، أَحَدُ العَشْرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ، وَوَالِدَتُهُ: أسْمَاءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق، ذاتُ النِّطَاقَين.

وابنُ الزَّبِير الشَّاعِرُ، مِنْ شُعرَاءِ الكُوفَةِ الشَّهِيرينَ بِالهِجَاءِ فِي العَصْرِ الأُمَوِيّ، كَانَ مَرْهُوبَ اللّسَان، كَثِيرَ الهِجَاء، سَرِيعَ الغَضَبِ، كَثِيرَ التَّقَلُّبِ، مَدَحَ وَهَجَا أَعْيَانَ الكُوفَةِ وَوُلَاتَهَا، الأُمَوِيّينَ وَالزُّبَيْرِيّينَ، وَنَالَ مِنْهُمُ الرِّضَا وَالمَالَ وَالعَطَاء، ولَقِيَ مِنْهُمُ الصَّدَّ وَالجَفَاءَ وَالجَلْدَ وَالحَبْس، وَفْقًا لجَامِعِ شِعْرِه: الدُّكتُور يَحيَى الجبورِي.

وَفِي مَعْنىً مُقارِبٍ، يقولُ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِي:

وَلَا يَحْسَبُونَ الخَيْرَ لَا شَرَّ بَعْدَهُ

وَلَا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبِ

واللَّازِبُ: اللَّاصِقُ. ومِنَ المَجَاز: صَارَ الأَمْر ضَرْبَةَ لازِبٍ، أَي: لازِماً، شَدِيداً، ثابِتاً، وَالعَرَبُ تقولُ: لَيْسَ هَذَا بضَرْبَةِ لَازِبٍ، وَلَازِمٍ، يُبْدِلُونَ البَاءَ مِيماً لِتَقَارُبِ المَخَارِجِ. قَالَ أَبُو بَكْر: مَعْنَى قَوْلِهِم: مَا هَذَا بضَرْبةِ لَازِبٍ، أَي: مَا هَذَا بِواجبٍ لَازم، أَي: مَا هَذا بضَرْبَةِ سَيْفٍ لازِب، وَهُوَ مَثَلٌ. وَصَارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، أَي: لازِماً. (تاج العروس من جواهر القاموس)، للزبيدي.

وَعَنِ الضَّرْبَةِ الآنفة، يَقُولُ كُثَيِّرُ عَزَّةَ:

فَـمَـا وَرِقُ الـدُّنْيَا بِـبَـاقٍ لِأَهْـلِـهِ

وَمَـا شِـدَّةُ البَـلْـوَى بِضَـرْبَـةِ لَازِمِ

فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ شِدَّةٍ إِنَّ بَعْدَهَا

فَوَارِجَ تَلْوِي بِالْخُطُوبِ الْعَظَائِمِ

وَأَعَجَبَنِي اعْتِبَارُ الشَّاعِرِ حُضُورَ الفَرَجِ، يَلْوِي أَعْنَاقَ عَظَائِمِ الشَّدَائِد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لَا أَحسَبُ الشَّرَّ جَاراً لَا أَحسَبُ الشَّرَّ جَاراً



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 08:59 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

دعاء تفريج الهم والكرب

GMT 16:09 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

أدعية السفر لحفظ وسلامة المسافرين

GMT 19:31 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

ترامب يعبر عن صدمته من موقف رئيسة وزراء إيطاليا

GMT 20:28 2025 الثلاثاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

جوكوفيتش يسقط بسبب الحر لكنه يحقق الفوز

GMT 15:17 2019 الخميس ,23 أيار / مايو

إختيارات المنتخب بين الواقعية والمجاملة

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 09:21 2024 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

الترجي التونسي يعلن تعاقده مع يوسف البلايلي

GMT 00:39 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

أفضل طريقة للحفاظ على العطر

GMT 16:02 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

طريقة تحضير كعكة الجزر الخفيفة لصحة أسرتك

GMT 15:39 2015 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الأغنياء يستطيعون مواصلة العمل في جامعة أكسفورد وكامبريدج

GMT 01:14 2019 الخميس ,07 آذار/ مارس

ثلاثية الإهمال واللامبالاة واللامسئولية!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt