توقيت القاهرة المحلي 22:45:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إنَّما المَرءُ حديثٌ بعدَه

  مصر اليوم -

إنَّما المَرءُ حديثٌ بعدَه

بقلم:تركي الدخيل

وَإِنَّمَا المَرءُ حَديثٌ بَعدَهُ

فَكُنْ حَدِيثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى

هذَا بيتٌ من أبيَاتِ قَصِيدةِ ابنِ دُريدٍ المشهورةِ، التي تضمّ 253 بيتاً، وتُسمَّى القَصِيدةَ «المقصورَة»، لأنَّ رَوِيَّها ألفٌ لَيِّنَةٌ (ألف مقصورة).

وَمَع أنَّ غَرَضَ القَصِيدَةِ الرَّئيسَ كَانَ المَدحَ، إلَّا أنَّ الشَّاعِرَ اغْتَنمَ كُلَّ فُرْصَةٍ واتَتْهُ، ليَبُثَّ الحِكْمةَ في ثَنَايَا مقصُورتِه.

«المَرْءُ»: الإنسَانُ. والمَرْءُ عِنْدَ التَّعْرِيفِ، وامْرُؤٌ عِنْدَ التَّنْكِيرِ، لَفظَةٌ مُشتَقَّةٌ من المُروءَةِ، كَمَا أنَّ لفظةَ الإنسَانِ مشتقةٌ مِن الإنسَانِية، والإنسانيةُ مصدرٌ صناعيٌّ، ومِنَ النَّاحِيةِ المَنْطِقِيَّة لا الاشتقاقيةِ فَإنَّ الإنسَانِيَّةَ هيَ المُشتَقَّةُ من الإنْسَانِ. والمُروءةُ كَمَالُ الرُّجولة، وليسَ للمَرءِ جَمْعٌ من لفظِه.

«حَدِيثٌ بَعْدَهُ»: أيْ بعدَ المَرءِ. والحَدِيثُ هوَ الكَلَامُ، وعَبرَه يَتَواصَلُ النَّاسُ بينَهمْ، ويتبادلُونَ الآرَاءَ، والتَّعليلَ، والأخبارَ.

«بعدَه»: بعدَ رحيلِه عَنِ الدُّنيَا بالمَوتِ.

والمَعنَى: أنَّ الإنْسَانَ يكونُ، بعدَ وفاتِه، مَوضُوعاً لِحَديثِ الأحيَاءِ، فَيَذكرُونَ ما كَانتْ عليهِ سِيرتُه، فإنْ كَانتْ سيرةَ خيرٍ، كانَ حديثُهم عنه حسناً، وإنْ كانتْ سيرةَ شرٍّ، كانَ حديثُهم عنه حديثَ ذمٍّ وقَدْحٍ.

«فكُنْ حديثاً حَسَناً»: اجعلْ مِنْ نفسِكَ بِأفعالِكَ الطَّيبةِ، خَبَراً حَسناً، بعدَ مُغَادَرَتِكَ الدُّنيَا.

و«حَسَناً»: من الحُسْنُ: وهو ضدُّ القُبْح وَنَقِيضُهُ. الأَزهري: الحُسْنُ نَعْت لِمَا حَسُن.

«لِمَنْ وَعَى»: أيْ لِمنَ حَفظَ وفَهِمَ وقَبِلَ.

الوَعْيُ: حِفْظُ القَلبِ الشَّيءَ. وعَى الشَّيْءَ وَالْحَدِيثَ يَعِيه وَعْياً وأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، فَهُوَ واعٍ. «لسان العرب».

والوعيُ حَدَثٌ عقلانيٌّ، يُعْلِنُ بهِ المَرءُ عنْ وجودِ الأشْيَاءِ، إنَّه دليلٌ علَى حُضورِها في الكَونِ، وحضورنا. لأنّ ما لا نَعِيه، يظلّ حبيسَ ظُلمةٍ دائمةٍ، خارجَ أذهانِنَا، أيْ خارجَ الدنيا.

والمعنَى: ليس الإنسانُ إلَّا خبراً يُنقلُ، وحديثاً يُؤثَر، وقصةً تُذكَر، وسيرةً تُنشرُ، وحكاية تُروَى، ورواية تُحكَى، فاجتهِدْ واعمَلْ صالحاً، لتكونَ أحدوثةً حسنةً مُستحسَنةً، عند أُولي الألباب، الذين يتتبَّعونَ السِّيَر، وينتفعُونَ بالعِبَر، ويتَّعِظُونَ بمَن غَبَر، ويستدلُّونَ عليهمْ بالأَثَر، فيمدحُونَ ويترحَّمونَ، أو بالعكسِ. «شرحُ المقصورة الدريدِية» (عبد القادر المبارك).

الصَّحابِي المُخضرَمُ، حكيمُ العَربِ، أكثمُ بنُ صَيفي، يقولُ: «إنَّمَا أنتمْ أخبَارٌ، فطَيِّبُوا أخبارَكم».

قالَ حكيمٌ: «الأيامُ مَزَارِعُ، فمَا زَرَعتَ فيهَا حَصَدتَهُ».

وكَانَ العَلَّامَةُ، الحِبرُ، التَّابعيُّ، كَعبُ الأحْبَارِ، مَتينَ الدّيَانَةِ، مِنْ نُبَلاءِ العُلَمَاءِ، ومِنْ مَقولاتِه: «إذَا أحببتُمْ أن تعلَمُوا مَا للعَبْدِ عند ربِّه، فانظرُوا ما يَتْبَعُه من حُسْنِ ثناءٍ».

ومِنْ كِبارِ التَّابِعينَ، الإمامُ، القُدوةُ، الحُجّةُ، مُطرفُ بنُ الشخير، وكَانَ يقولُ: «عنوانُ كَرامةِ اللهِ لعَبْدِه، حُسْنُ الثَّناء عليهِ، وعنوانُ هَوانِه، سوءُ الثَّناءِ عليهِ».

وفِي المَنْحَى ذاتِه، قالَ الغنويُّ:

فإذَا بلغتُمْ أهلَكُم فتحدَّثوا ومن الحديثِ مَهالكٌ وخلودُ

وللشَّاعرِ الجَاهِلِيِّ، قطبةَ بنِ أوسِ بنِ مُحصنٍ، قولُه:

فَأَثْنُوا عَلَينَا لَا أبَا لأبيكمُ

بإِحْسَانِنَا إِنَّ الثَّنَاءَ هُوَ الخُلْدُ

أمَّا مضرسُ بن ربعي الأسَدِي، فقالَ:

فإنّي أُحبُّ الخُلْدَ لو أستَطِيعُه

وكالخُلْدِ عندي أن أموتَ ولم أُذَمْ

وكانَ أبو عمرو بن العلاء يتمثَّلُ، فيقولُ:

وسيبقَى الحديثُ بعدَك فانظر

خيرَ أحدوثةٍ تكونُ فكُنْهَا

والمعنَى ذاتُه توسَّع فيه داودُ بن جهور، فقالَ:

إذا أعْجَبَتْكَ طِباعُ امرِئٍ فكُنْه يَكُنْ مِنْكَ ما يُعْجِبُك

فليسَ على الجُودِ والمَكْرُماتِ حِجَابٌ إذا جِئْتُه يَحْجُبُك

ولأبِي الطَّيّب:

ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني وحاجَتُهُ

ما قَاتَهُ وَفُضولُ العَيْشِ أَشْغَالُ

ووصية أبي الحسن التهامي، ألا تطمئن للحياةِ، ولو كنتَ من نقلةِ الأخبار... يقول:

بَيْنَا يُرَى الإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِراً

حَتَّى يُرَى خَبَراً مِنَ الأَخْبَارِ

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إنَّما المَرءُ حديثٌ بعدَه إنَّما المَرءُ حديثٌ بعدَه



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt