توقيت القاهرة المحلي 11:33:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بيضٌ صنائعُنا!

  مصر اليوم -

بيضٌ صنائعُنا

بقلم:تركي الدخيل

بِيضٌ صَنائعُنَا سودٌ وقائعُنَا

خُضرٌ مرابعُنَا حُمرٌ مَواضِينَا

هذا البيتُ من أشهرِ أبياتِ الفخرِ العَربيةِ، للشَّاعرِ صَفِيِّ الدين الحِلِّي (677 - 750 هـ = 1278 - 1349م)، شاعرِ زمنِه، وهو من الحِلَّة: منطقة بين بغدادَ والكوفة.

وبيتُ القَصيدِ ضمنَ قَصيدةٍ قِيلَ أنَّ صَفيَّ الدين الحِلّي قالَها بعدَ غَزوِ التَّتارِ بغدادَ، وكَانَ أرادَهَا لاستنهَاضِ الهمم، وسَلكً فيهَا طَريقَ الفَخرِ لهذهِ الغَايَة.

وبيتُ القَصِيدِ، بيتٌ مُلَوَّنٌ، ذَكَرَ فيه الشَّاعِرُ جَمعَ: اللَّونِ الأبيَضِ، والأسوَدِ، والأخضَرِ، والأحْمَرِ.

واسْتِخدَامُ الألوَانِ للتَّعبِيرِ عن وَصْفِ الحَالِ دَارِجٌ عندَ العَرب. في القرآن الكَرِيم: «يومَ تبيَّضُ وُجوهٌ وَتَسوَدُّ وُجُوه»، يوم القِيامَةِ تَبيَضُّ وُجُوهُ المؤمنينَ وتَسوَدُّ وُجُوهُ الكَافِرِينَ والمُنَافِقينَ.

قولُه: سُودٌ مَوَاقعُنَا: مَواقعُ جَمعُ مَوقِعةٍ وهيَ المَعاركُ، وَوصفُ وقائعِ القتالِ بالسُّودِ يعنِي أنَّكَ أذقتَ خصمَكَ الوَيلَ والثُّبورَ والهَزيمةَ والخذلانَ، وأنَّ المَواقِعَ ذات بأسٍ شديدٍ، ولكنَّنا لا نهَابُهَا، بل نقتحمُهَا بكلّ شَجَاعَةٍ.

وفي عَجْزِ البَيتِ: أرَادَ الشَّاعرُ أن يُبَيّنَ أنَّ مَنْ يُقدّمُ فعالَ الإحسَانِ ويهزمَ أعداءَه هزيمةً نَكراءَ، لابدَّ أنْ يكونَ حَصَادُهُ وَفيراً، وتكونُ مرابعُه التي يرتَعُ فيهَا ذاتَ خِصبٍ عَظيمٍ. فاللونُ الأخضَرُ يدلُّ علَى الرَّخَاءِ والنَّمَاءِ والخِصْب.

ومَرابِعُ: جَمعُ مَرْبَعٍ، حيثُ تَرعَى الدَّوَابُ في الرَّبيع تَحديداً.

حُمرٌ مَواضِينَا: تَعنِي أنَّ سُيوفَنَا حَمراءُ بدِمَاءِ عَدوّنَا، وسَمَّى السُّيوفَ مَوَاضيَ، لأنَّهمْ كَانوا يُمضُونَهَا في ضَرْبِ وإدْمَاءِ العِدَا. والمَوَاضِي: جَمْعُ مَاضِية، أمضَى سيفَه: أعملَهُ ضَرباً في العَدوّ وقتلا.

وفِي بعضِ المناطقِ العربية يقولونَ: امضِ السّكينَ بمعنَى اشحذْهُ.

وقولُه: بيضٌ صنائعُنَا: كَنَّى بِهِ عن صُنعِ المَعروف. ويقولونَ: «صَنائعُ المَعروفِ تَقِي مَصَارعَ السُّوء».

وَسُودٌ وقائعِنا: كِنايةٌ عن خوضِ الحُرُوب.

خُضرٌ مَرابعُنا: عن الخِصبِ العَظيم.

وحُمرٌ مَواضِينَا: عنِ الشَّجاعَةِ والإقدَامِ.

وإذْ أنَّ معظمَ أعْلَام الدّولِ العَربيَّةِ في ألوانِها الأبيض والأسود والأخضر والأحمر، قيلَ إنَّ هذه الألوانَ اشتقَّتْ من بيتِ الشّعرِ المَذكور. وقيلَ إنَّها أُخِذتْ من علَمِ الثورةِ العربيةِ الكبرى ضد الدَّولةِ التركية، واستخدم فيه الأخضر استلهاماً من دولة الخلافة الرَّاشدة ولونِ آل البيت. واللون الأسود من رايةِ بني العَباس، وقبلهم كانت رايةُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم سوداءَ. واللون الأبيض من رايةِ الدولةِ الأموية. واللون الأحمر من رايةِ الهاشميين وكانت حمراءَ.

والأبيضُ والأسودُ لونان يعبر الأول فيهما عن العملِ الصَّالح، والثاني عن سوءِ نتيجة من لم يقدم لنفسِه عملاً يجعله ينالُ نجاحاً.

وفي العاميةِ الخليجيةِ يسأل الناسُ عن بعضِهم بعضاً بقولهم: (وش لونك)، أي: ما لونُك؟ والمقصدُ كيف حالك. وأصلُها عراقيةٌ امتدَّت لتكونَ لغةً مستخدمةً في دول الخليج العربي كلها. ويُقال إنَّ سببَها أنَّ بغدادَ أصيبت في القرنِ السابعَ عشرَ بطاعونٍ، جعلَ المصابَ بالوباءِ يمرُّ بثلاثِ مراحلَ من المرض، أحدُها يكون لونُ جسِمه فيه أحمر والثاني أصفر، والثالث أزرق. ومن يتلوَّن بأول لونين يمكن أن يُشفى أما ثالث لون فمصيره الهلاك. ويدعو الناس للأولين بالسلامة والشفاء، وللأخير بالرَّحمة وحسنِ الخاتمة.

ومِن لطفِ اللهِ أن رفعَ البلاءَ وصرف الوباء. انتهى الطاعون، لكن التساؤل:( وشلونكم؟) بَقيَ لهجةً يُقصد بها السؤال عن عمومِ الحال.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بيضٌ صنائعُنا بيضٌ صنائعُنا



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt