توقيت القاهرة المحلي 10:46:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ!

  مصر اليوم -

أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ

بقلم:تركي الدخيل

الافتخَارُ بالأحْسَابِ قديمٌ متجذّرٌ في العَربِ، ومِنْ أجْوَدِهِ قَولُ أبِي الطَّمحَانِ القَينِي، مُفتَخِراً بقومِهِ فِي وَصْفِهِمْ:

أضاءَتْ لَهُم أحْسَابُهُمْ ووجُوهُهم

دُجَى اللَّيلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ

وَهذَا بَيتٌ مِنْ أشْهرِ أبْيَاتِ الشّعرِ العَرَبِيّ، و«يُقَالُ إِنَّ هَذَا البَيْتَ مِنْ أَمْدَحِ شِعْرِ العَرَب وَأَكْذَبِه وَأَبْلَغِه»، (الدر الفريد وبيت القصيد).

والبَيتُ لأَبِي الطَّمَحَانِ الْقَيْنِيِّ (ت نحو 30 ه‍ـ = نحو 650 م)، وَكَانَ شَاعِراً، فَارِساً، صُعلُوكاً.

وُصِفَ بَيتُ أبِي الطَّمحَانِ بِأنَّهُ مِنْ أَمْدَحِ شِعْرِ العَرَبِ، وَأَكْذَبِهِ، وَأَبْلَغِه.

فَأمَّا الأولَى: (أمْدَح)، فَالوُصولُ إليهَا، وإنْ لمْ يكنْ سَهلاً، إلَّا أنَّهُ لَيسَ مُتَعَذّراً، طَالَمَا تَحَقَّقَتِ الثَّانِيَةُ: (أَكْذَبه).

عَلَى أنّي أَتَحَفَّظُ عَلَى تَكْرَارِ وَصْفِ البَيْتِ، بأنَّهُ أَكْذَبُ مَا قَالَتِ العَرَبِ شِعْراً، وَذَلكَ لِسَبَبَيْنِ:

الأوًّلُ: أنَّ الجَزْمَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، يَسْتَلزمُ الاستقصَاءَ، والإحَاطَةَ بِالكَذَّابِينَ، وهَذَا مِنَ المُتَعَذّرِ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالضَّرُورَة.

الثَّانِي: أنَّ حُصُولَ الاتفَاقِ عَلَى الحَالِ، مَعَ مَعرفَةِ الطَّرفينِ بمَا كَانَ وَسَيكُونُ، يَنْفِي الغَرَرَ، ويُبطلُ الجَهَالَةَ، والبَيعَان بِالخيار مَا لم يتفرَّقَا.

فَلَمْ يَقُلِ الشَّاعِرُ لِأحدٍ فِي الدُّنْيَا، بِأنَّهُ سَيَربِطُ أَحْسَابَ المَمْدُوحِينَ وَوُجُوهَهُمْ بِتَيَّارٍ كَهْرُبَائِيّ، يَمُدُّهُمْ بِضَوْءٍ، يُحِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ الكَالِحِ، نَهَاراً مُشْرِقاً!

الجَميعُ يعرف، بدايةً من الممدوح، مروراً بالمادح، وليس نهايةً بالمشاهدين، والمستمعين، بأنَّ الشَّاعرَ يسعَى ليخرقَ الأرضَ طولاً، بالمبالغةِ في المدحِ، ولم يعترضْ إلا بعضَ النقَّاد، الذين لا يمكن أن يرضُوا، لا بمدحٍ ولا بهجاءٍ، ولا يُرضيهمْ صدقٌ ولا كذبٌ، هداهمُ الله، وهَدَّأ بَالَهم.

الشَّاعرُ يقولُ: بأنَّ ممدوحيهِ، لعراقةِ أحْسَابِهمْ، وبَياضِ وجوهِهِمْ، إثرَ حُسنِ فِعَالِهِمْ، أضَاءتْ بالعَراقَةِ والبَيَاضِ، الوُجوهُ والأحْسَابُ، فكانَ هذَا الضّيَاءُ سَبباً في أنْ يُنيرَ اللَّيلُ المُظلمُ إضَاءةً جَعلتْ من اليَسيرِ، أن ينظمَ من ثقبِ الجَزع، وهو منَ الفصوصِ، التي تُصنعُ منهَا القَلائدُ، عبرَ ثقبِ كلّ حبةٍ منهَا، وربطِ حبوبِ الجزع، ونظمِها بخيطٍ، يدخلُ في ثقبِ كلّ حبةٍ، ويجمعهنَّ في العقدِ.

فضياءُ الوجوهِ والأحسابِ، الذي أنارَ اللَّيلَ، جعلَ ثاقبَ الجزعِ، يستطيعُ أن يُدخلَ الحبلَ في الثُّقب، لينظمَ العقد، من شدَّةِ وضوحِ الإضَاءة!ِ

الجزعُ: نوعٌ من العقيقِ، ذي خطوطٍ مستديرةٍ متوازية.

في «خِزانة الأدب»، قال ابنُ حجةَ الحمويّ:

«يُعجبُنِي من أمثلَةِ المُبَالغةِ في المَديحِ قَولُ القائلِ:

أضَاءتْ لهمْ أحسابُهمْ وَوجُوههُمْ

دُجَى اللَّيلِ حتَّى نظّم الجزعَ ثَاقبُه

فَالمَعنَى تمَّ للناظِمِ، لما انتهَى في بيتِه، إلى قولِه: دُجَى الليلِ، ولكنْ زادَ بمَا هو أبلغُ، وأبدعُ، وأغربُ، في قولِه: حتَّى نظَّم الجزع ثاقبُه.

يريدُ أنَّ هذَا البيتَ يمثّلُ قمَّةَ المبالغةِ في المَديحِ. فالشَّاعِرُ لم يكتفِ بوصفِ أنَّ الأحسابَ والوُجوهَ تضيءُ في الظَّلامِ، بل زادَ بأنَّ هذا النورَ يكفي لإضاءةِ عمليةٍ، تحتاج إلى دقَّةٍ بصريَّةٍ عَاليةٍ، مثلَ ثقبِ الخرزِ، ممَّا يجعلُ المُبالغةَ، أكثرَ تأثيراً، وَتَصويراً.

قولُه: نظَّم الجزع: وَصفَ الجزعَ، بأنَّه نوعٌ من العَقيقِ، يُعطِي البيتَ طابعاً من الجَماليةِ البَصريَةِ.

فالعقيقُ بخطوطه المستديرةِ المتوازيةِ، يعكسُ نوعاً من النظامِ والجمالِ، الذي يتناسبُ مع النُّور الذي يصفُه الشَّاعرُ، وكأنَّ النُّورَ ينظم العالمَ من حولِه بجمالٍ وانتظامٍ.

قالَ الحسنُ اليوسي:

«قوله: نظَّم الجزعَ ثاقبُه، يريد أنَّهم لو استضاءَ بضيائِهم في غياهبِ الظَّلام من يثقبُ الخرزَ الذي هو أشدُّ شيءٍ لأبصرَ ذلك، فكيفَ بما هو أظهرُ؟ وهذه غايةُ المبالغةِ في تنزيلِ المعقولِ منزلةَ المحسوسِ».

يلفتُ اليوسي إلى أنَّ الشَّاعرَ يحول المعقولَ (المفهوم)، إلى محسوسٍ، ممَّا يجعل البيتَ، يتجاوزُ كونَه مجردَ مدحٍ، ليصبحَ تجربةً بصريَّةً، وحسيةً للمتلقّي.

وهو مَا يعكسُ قدرةَ الشّعر، على تحويلِ المجَازاتِ، إلى تَجاربَ حيةٍ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt