توقيت القاهرة المحلي 18:57:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مستر «كان»

  مصر اليوم -

مستر «كان»

بقلم - جميل مطر

كانت أيامًا ثقيلة فى بكين تلك التى قضيناها، زوجتى وأنا، فى الفندق، وبخاصة عندما احتاجت زوجتى إلى رعاية طبية. لم يكن قد مر على وجودنا فى العاصمة الصينية إلا أسابيع قضيناها فى ظروف قاسية عندما أبلغتنى السكرتيرة بالسفارة أن قرارًا صدر فى وزارة الخارجية الصينية بتخصيص شقة لنا فى المجمع الدبلوماسى وعدم الالتزام بدورنا فى قائمة انتظار مطولة، وتكليف محل كبير فى وسط العاصمة بتوفير الأثاث اللازم لهذه الشقة، وتعيين طباخ متميز ومساعدة بيت مدربة. انتقلنا وسط ذهول الزملاء فى السفارة الذين توقعوا لنا إقامة ممتدة فى الفندق أسوة بعشرات الدبلوماسيين فضلا عن مصاعب شتى عندما نشرع فى البحث عن طباخ ومساعدة منزل مناسبين.


• • •

كانت المفاجأة سارة لزوجة غير مكتملة الصحة أن تقابل الطباخ المكلف بالعمل فى منزلها. لم يختلف الرجل فى الطبيعة عن الصورة النمطية لطباخ صينى فى العقد السابع من عمره، حليق الرأس تمامًا نظيف المظهر، أنيق فى بذلته الزرقاء التى يرتدى مثلها رئيس الوزراء وغيره من كبار القوم. لم يمد يده للتحية أثناء التعارف كعادة الآسيويين عمومًا. أذكره يقول، بلغة إنجليزية معدودة المفردات ولكن كافية لعلاقة عمل بين طباخ متمرس وربة بيت، ما معناه أنه مكلف بوضع أفضل خبراته فى خدمة هذه العائلة الصغيرة، وهو بالفعل ما فعله.

• • •

قضينا مع هذا الطباخ حوالى العام. أستطيع بغير مبالغة القول إنه منذ اليوم الأول لخدمته خلف لدى انطباعات عديدة ليس أقلها أهمية الانطباع فى الذاكرة بأن للمطبخ الصينى ثقافة لا يضاهيها مطبخ آخر. أعترف أن هذا الرجل وحده فرض علينا احترام المطبخ واحترام حرفة الطبخ. رأيته يتعامل مع مكونات الطبخة وأوانى الطبخ وأدواته كمعلم وسط تلاميذه أو قائد وسط جنوده، كل منهم فى أبهى حلة وكأنه يوم عيد.

• • •

كنت أستيقظ مبكرا، بعد الفجر بقليل، لأفتح له باب الشقة. أراه يتحرك بنشاط ابن الثلاثين. يبدأ يومه بتسخين الفرن «الصينى» وإعداد الدقيق والزبد والماء المغلى لوازم خبز الفطائر الضرورية لصحة «سيدة الدار»، الراقدة فى الفراش حسب نصيحة الأطباء. قرر بنفسه أن يطبخ لها كل يوم وجبة صينية لم يكرر واحدة منها على امتداد قرابة الشهرين. بالتأكيد كان لهذا الرجل الفضل وراء سرعة شفائها وفى الوقت نفسه إثارة عاطفتها النسوية تجاه مطبخ لم تدخله من قبل وهواية لم تتح لها ممارستها ودور لم تلعبه  قبل زواجها.


• • •

أذكر لهما مناقشات مهدت لتصبح زوجتى رائدة فى هذا الفن. أذكر زياراتها التى لم تنقطع لمطابخ سفارات وبيوت عقب تناول طعام أعده بامتياز طباخ أو طباخة. كان الطباخ الأشهر الذى عمل بسفارتنا فى روما ينتظر زيارتها فى مطبخه لتستخدم حقها المشروع بحكم علاقات الثقة والخبرة المتبادلة بينهما فى نقد بناء  للوليمة ككل؛  وعلى وجه التحديد لنوع معين كان يجربه لأول مرة. أسمعها تسأله عن نوع الزبد أو الزيت المستخدم، وتسأله عن موقع البائع أو البائعة فى السوق التى اشترى منها الخضرة واللحم، وتسأله عن مدة ودرجة حرارة الفرن الذى عهد إليه طهى الطاجين المغربى أو التيراميسو الإيطالى أو شيخ المحشى السوري.

• • •

لم يتردد المستر "كان" فى أن يطلب من زوجتى استخدام التسهيلات الممنوحة لنا لاستيراد احتياجاتنا من ضرورات المطبخ. أحيانا كنا نتلقى منه وريقات مسجل عليها باللغة الصينية أنواع بهارات ومنتجات زراعية مجففة أو مخزنة،  بدونها ، كما ادعى وصدقناه، تفقد الطبخة نكهتها المميزة والتى اشتهرت بفضلها على سواها من الأكلات الصينية المرموقة.

كانت هونج كونج ملجأنا الأسرع والأكفأ لتلبية طلبات المستر «كان»، وصرنا نتلقى الترحيب والإشادة من ضيوفنا الصينيين بجودة ما نقدمه على مائدتنا من الأطباق الصينية، ولكل طبق تاريخ نشأة وانتشار فى مقاطعة صينية بعينها كأن تتميز بطقس مختلف وموقع مختلف. بعد وقت غير طويل صارت زوجتى تلميذته النجيبة والمبدعة ثم على مر العقود صارت تطبخ بنفسها وتتلقى الإشادة من ضيوفنا من كل الأجناس التى عشنها بينها أو عاشت معنا، ومنهم أو قل فى صدارتهم الزملاء والزميلات فى الأهرام وغيرها من الصحف القاهرية وقيادات الدبلوماسية المصرية والأجنبية المعتمدة فى مصر. ومع كل إشادة وفى كل بلد كان عليها أن تحكى حكايتها مع الطباخ الصينى صاحب الفضل.

• • •

شاء حظها، وحظ أسرتها الصغيرة، أن ننقل إلى سفارتنا فى روما وقد سبقتنا فى الوصول سمعتنا كهواة طبخ. إذ حدث فى اليوم التالى لوصولنا أن زارنا فى الفندق طباخ السفارة يهنئنا بسلامة الوصول. بدا لى أن السمعة التى سبقتنا كانت وراءها السيدة حرم السفير إذ نقلت إلى طباخ السفارة أن سيدة فى العشرين من عمرها سوف تصل إلى روما قادمة من بكين حيث تلقت تدريبها  لمدة عام على يد أحد أعظم طهاة الصين. أذكر أنه، الطباخ المصرى لم يتردد وهو يقدم نفسه لنا فى الفندق، حيث كنا نقيم، كطاه تاريخى، لن يتكرر.

أذكره فى مآدب السفارة وقد ارتدى أفخر ما عنده من ملابس طباخين يخرج من مطبخه وينزل من الطابق الأول حيث يقيم السفير إلى الصالة الكبرى فى «فيلا سافويا» ليتلقى التهانى على ما صنعت يداه من أطباق إيطالية دوخت رؤوس المدعوين وأغلبهم من مشاهير الفن والإعلام. تسأله النساء عن سر مطبخه فيضحك ضحكة الساحر الذى يسأله جمهور المتفرجين عن كيف حقق المعجزة التى ابتدعها أمامهم. يصفقون ويهللون ثم يتوسلون، ولا من مجيب.

• • •

تقول ابنتى إنها عاشت تحاول أن تحصل من أمها على تفاصيل ما دخل فى صنع طبق بعينه، مصريا كان أم  إيطاليا أم  لبنانيا أم هندياأم مغربيا، حاز على إعجاب ضيوف بيتنا. دائما ما جاءت استجابة أمها فى شكل نظرة حنون وابتسامة ساخرة واعتذار مناسب «أخشى إن أنا أطلعتكم على أسرار مطبخى تستغنوا عنا فلا تزورون ولا تتوسلون ولا تعودوا تنبهرون».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مستر «كان» مستر «كان»



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt