توقيت القاهرة المحلي 18:57:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عالم بدون قواعد ولا قيم ولا قانون

  مصر اليوم -

عالم بدون قواعد ولا قيم ولا قانون

بقلم - جميل مطر

كنت طالبًا أدرس العلوم السياسية خلال أهم مرحلة فى مراحلها الانتقالية، عندما كان أغلب الأساتذة ما زالوا من دارسى القانون وأقلهم من خريجى معاهد وأقسام التاريخ السياسى. تلقت هذه المدرسة أول صدمة خلال مناقشات ومحاضرات الإعداد لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية إذ ظهر ميل واضح نحو جعل «القوة» شريكًا للقواعد والقيم التى اعتمد عليها المخططون لنظام دولى جديد (مدرسة مورجنثاو). خطط المخططون لنظام يقوم أساسا على قواعد مهمة تولى صياغتها خبراء أمريكيون بينهم عسكريون قادوا جيوش الحلفاء خلال الحرب. نظام دولى يعتمد أيضًا القانون الدولى وبخاصة نصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التى عقدت خلال مختلف مراحل تطور العلاقات بين الدول الغربية الكبرى، يعتمده شريكًا مؤسسًا.
●●●
تلقت هذه المدرسة، وأقصد المدرسة الجديدة للعلوم السياسية، صدمتها الثانية عندما راح بعض العلماء يتبحرون فى فهم سلوك الأفراد عند اتخاذ قراراتهم ونحو فهم أعمق لمفهوم الدولة باعتبارها كيانًا حيًا يتأثر بمختلف مكونات البيئة المحيطة ويؤثر فيها، تطرفوا فأخذوا من العلوم الطبيعية بعض نظرياتها فى نشأة الأشياء وتطورها وعلاقاتها بما حولها. هكذا استحقت العلوم السياسية، بعد كفاح طويل، أن يجرى تصنيفها ضمن فئة العلوم، وتغليب هذه الفئة فى المكانة على الفئتين الأقدم أى على القانون والتاريخ الدبلوماسى، وبخاصة عندما راحوا يتعاملون مع التاريخ الدبلوماسى كمعمل يجرون فيه تجاربهم النظرية.
●●●
أردت، بهذه المقدمة المطولة بعض الشىء، أن أقترب من فهم «المآلات» التى يمكن أن ينزلق إليها العالم الذى نعيش فيه الآن. ما نعرف وأظن أننا فهمناه «مآلا» انحدر إليه العالم أو سقط فيه، هو أننا نتخلى فى هذه اللحظة وبسرعة عن قيم وقواعد التزمها أو اعتمد عليها النظام الدولى منذ نشأته فى أواخر الحرب العالمية الثانية. نتخلى عنها مذ بدأ الرئيس ترامب وعديد السياسيين فى مناطق أخرى يفعلون.
●●●
كنت كطالب ثم كممارس شاهدا على بعض هؤلاء وهم يتخلون مثلًا عن قيم مثل سيادة الدولة والسمعة الحسنة والثقة المتبادلة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية التجارة والمساواة وغيرها من القيم التى نمت مع نمو العلاقات بين الدول وبين الشعوب أو كرد فعل لتجاوزات الدول والحروب المدمرة والتدخل فى شئون الدول الأخرى وتجارب التعامل مع النظم الفاشية.
●●●
جرى التخلى عن الكثير من القيم عن طريق إجراءات ومراسيم يبتكرها ويصدرها وينفذها القطب المهيمن محطم النظام القائم ومبتدع بعض القيم للنظام الجديد. من هذه الإجراءات على سبيل المثال وليس أكثر إعلان الرئيس الأمريكى الطلب إلى كل من مصر وبنما إعفاء الولايات المتحدة من رسوم عبور سفنها فى كلتا القناتين، قناة السويس وقناة بنما، منها أيضًا سحب الاعتراف بـ، أو وقف دفع الأنصبة فى، الأنروا ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة الدولية ورفض إجراءات وأحكام محكمة العدل الدولية، والاستمرار فى شل عمل مجلس الأمن الدولى للتعمية عن حرب الإبادة المشتعلة ضد شعب فلسطين وعن بعض نوايا الرئيس الأمريكى ومنها نية ضم جرينلاند وكندا إلى الولايات المتحدة. بهذا المعنى كادت تكتمل للولايات المتحدة عناصر الهيمنة المطلقة، الأمر الذى لم يعد يحظى برضاء أو موافقة الأقطاب الأخرى الصاعد منها والساقط على حد سواء، أقصد تحديدا الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبى.
ولا يفوتنى أن أضيف حقيقة أن كلًا من كندا ودول أخرى فى الأمريكتين وفى إفريقيا تعاملت مباشرة وبصبر وشجاعة مع عدد من مظاهر السلوك السياسى الأمريكى التى راحت تؤكد لها وللعالم الخارجى حال ومستوى الانحدار الأمريكى، وفى الوقت نفسه حال انحدار النظام الدولى.
●●●
يتساءل العالم، أو على الأقل، الدول التى دخلت فيما أسميه دائرة الشك فى مستقبل الهيمنة الأمريكية، من هذه الدول الصين طبعا وروسيا والهند ومعظم الدول الأعضاء فى الحلف الأطلسى، يتساءل هذا العالم عن المدى الذى يمكن أن يذهب إليه الرئيس ترامب وجماعته، وبالجماعة أقصد عددا من الشركات والشخصيات المهيمنة على قطاعات التكنولوجيا وعلى المنظمة الصهيونية العالمية وعلى مجمع الأسلحة الأمريكى وجماعة العقاريين اليهود وغيرها من مكونات مشروع النظام الدولى المتوقع، وأما المدى فأقصد به كلًا من المسافة الزمنية والقدرة الفعلية بالإضافة إلى درجة العنف التى يمكن أن يذهب اليها شركاء نظام الهيمنة لتعزيز مكانته وإمكاناته ووقف انحدار القطب الأعظم.
●●●
أخشى أن أكرر عن قصد أننى سبق وتوقعت خلال حملته الانتخابية أن يأتى ترامب إلى البيت الأبيض فى شكل عاصفة تسونامى بنية «اكتساح» كل ما يقف فى طريق تحقيق حلم، أن يحول العالم كما يراه إلى غابة عنف، إلى مرحلة سلم أمريكى ثانية، عالم تقوده أمريكا طبقًا لتوجيهات الملك المستبد، هنا يبدأ تنفيذ سياسات عنف، وفى صدارتها إن صح التعبير سياسة الصفقات العنيفة أو الراديكالية أو الثورية على أنقاض وأشلاء الديمقراطية والحريات والحقوق الإنسانية. توقعت إعصارًا مدمرًا من سياسات عنف متنوع يهدم ويدمر قبل أن يبنى فالوقت والدستور لن يمهلانه وقتًا إضافيًا.
●●●
آخرون توقعوا زلزالًا أو كوارث أو حروبا لا تنتهى فى مناطق متعددة وبخاصة فى الشرق الأوسط، هؤلاء يعرفونه أكثر منى أو يعيشون واقعًا أمريكيًا جديدًا أو أدركوا مبكرًا خطورة اجتماع «تهيؤات» وأوهام الرئيس الأمريكى مع خطط الجماعة الحاكمة فى إسرائيل، وهى الخطط المستوحاة من أساطير تاريخية ودينية والمختلطة بأيديولوجية إمبريالية تعتمد مبدأ تفوق الرجل الأبيض والمتشربة بأسوأ ما فى تراث الاستشراق من مزاعم ومؤامرات.
●●●
لسنا مبالغين ولا متشائمين إذا توقعنا أن تخلف زيارة الرئيس ترامب لبعض دول الشرق الأوسط شرًا أو ضررًا يبقى معنا لشهور أو سنوات. أسباب توقعاتنا غير السارة أوجزها فى السطور القليلة التالية:
أولًا: أوضاع الإقليم العربى ليست فى أفضل أحوالها، فالحرب ضد غزة خصمت من أرصدة العرب جميعًا. بمعنى آخر لسنا فى وضع يسمح لنا بمخاطرة الدخول فى مفاوضات لإبرام صفقات كبرى من أى نوع.
ثانيًا: الرئيس الضيف يأتى إلى الشرق الأوسط مثخنًا بجراح الفشل حسبما أذيع من نتائج استقصاءات الرأى الأمريكية عن أداء حكومته فى نهاية مائة يوم أو أكثر من توليها المسئولية. تعلمنا خلال مختلف مراحل الكفاح ضد الاستعمار أن نتوخى أقصى درجات الحذر عند التعامل مع عملاق دولى مصاب أو مهتز السمعة أو ساع بتهور لتعويض ما فقد أو اختلطت لديه مصالحه الشخصية مع المصالح القومية.
ثالثا: فى الظروف الدولية والإقليمية الراهنة لا نتوقع تدخلًا حازمًا من جانب دولة عظمى أخرى لمنع توقيع صفقة أو أخرى تضر مستقبلًا بالمصالح الاستراتيجية بهذه الدولة أو تلك. بمعنى آخر لن تتكرر ظاهرة رسالة موسكو فى حرب السويس إلى دول العدوان الثلاثى، ولن تتكرر بنفس الشكل ظاهرة الإنذار الذى وجهته مصر الناصرية لتركيا وأمريكا اللتين خططتا لتتدخلا فى شئون سوريا فى أعقاب حرب السويس. أضيف الظن أن الكل يعلم أن الرئيس ترامب بما يفعله داخليًا وخارجيًا إنما يسرع عملية جر بلاده إلى موقع فى النظام الدولى الجديد أقل تميزًا.
رابعًا: لم يعد خافيًا أن لإسرائيل مشروعها الخاص بشرق أوسط يكون لها فيه حق الريادة والهيمنة فى نظام إقليمى متعدد الحضارات ومركزه القدس، نظام يحل محل النظام الإقليمى العربى ويفصل كليا ونهائيا مجموعة دول المغرب العربى عن جماعة دول الخليج وفصل هذه وتلك عن مصر. أغلب الظن أن كلًا من تركيا وإيران لن تقبل سلميًا الخضوع لريادة إسرائيلية.
خامسًا: تدرك إسرائيل الأهمية الاستراتيجية لسوريا فى أى نظام إقليمى يقوم فى الشرق الأوسط. تدرك أيضًا القيمة الكبرى للهيمنة على الممرات المائية الاستراتيجية فى الإقليم، وفى الوقت نفسه أهمية تسريع تنفيذ المشاريع البديلة لها مثل الممر الهندى الخليجى الإسرائيلى وقناة البحرين وغيرهما.
سادسًا: زيادة ملحوظة ومتوقعة أيضًا فى عدد النزاعات العربية -العربية، وزيادة فى درجة التوتر الاجتماعى فى عدد من دول الإقليم، وزيادة الضغوط الأمريكية على هذه الدول، وهو الأمر الذى سوف يتضح بجلاء خلال زيارة الرئيس الأمريكى للمنطقة وقبلها وبعدها.
لن يغير الرئيس الأمريكى أسلوب تعامله مع الدول الأقل مكانة وقوة فهو الأسلوب الذى أتقنه كمطور عقارات خلال رحلته الطويلة.
اقتباس


أخشى أن أكرر عن قصد أننى سبق وتوقعت خلال حملته الانتخابية أن يأتى ترامب إلى البيت الأبيض فى شكل عاصفة تسونامى بنية «اكتساح» كل ما يقف فى طريق تحقيق حلم، أن يحول العالم كما يراه الى غابة عنف، إلى مرحلة «سلم أمريكى» ثانية، عالم تقوده أمريكا طبقًا لتوجيهات «الملك المستبد».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عالم بدون قواعد ولا قيم ولا قانون عالم بدون قواعد ولا قيم ولا قانون



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt