توقيت القاهرة المحلي 18:57:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أسئلة يحرمون طرحها

  مصر اليوم -

أسئلة يحرمون طرحها

بقلم - جميل مطر

لعبنا ونحن أطفال لعبة السؤال والجواب. يسألون السؤال، فنفشل فى الإجابة أو نتردد فيعاودون السؤال بصيغة ثانية أقل تعقيدا فنفشل أو نتردد فيطرحونه مرة أخرى بصيغة مخففة فنفشل فى الإجابة أو نتردد فيجربون مرة أخيرة فنفشل أو نتردد فيعلنون الفوز متضمنا فى استفسار بلهجة ساخرة، «غلب حمارك والا لسه؟».
• • •
عشت سنوات أحاول فهم الصلة فى هذه اللعبة البريئة فى مظهرها العميقة فى مدلولها بين الطرف الملح دائما فى السؤال وبين الطرف الذى يعجز «حماره» كل مرة عن تقديم الإجابة الصحيحة وفى الوقت المناسب. كنت وأنا صحفى، تحت التدريب الذاتى، كلما ضاقت بى سبل الحصول على إجابات صحيحة أو مقنعة أو على الأقل تشبع فضولى فى قضية بعينها أتذكر مبتسما لعبتنا البريئة فى زمن طفولتنا المتعطشة طول الوقت لإجابات صحيحة على أسئلة لا تنتهى.
• • •
علمونى وقتها، أقصد وقت التدريب الذاتى، علمونى أن «السؤال» يبقى مدى الحياة وفى كل الثقافات جوهر مهنة الصحفى. لكن ليس كل سؤال. سؤال الصحفى كسؤال الطبيب لمريضه، إن لم يحسن الطبيب صياغة سؤاله واختيار الوقت المناسب لتوجيهه، فإنه لن يحصل على إجابة صحيحة وبالتالى لن يشفى المريض. سمعت من أطباء، ومنهم ابنى، أن بعض المرضى يراوغون كما يراوغ بعض العاملين بالسياسة ومنهم بعض قادتها فى تقديم الإجابة الصحيحة. وفى الحالتين تتعقد مهمة الصحافى وتتعطل رسالته وتتعقد مهمة الطبيب وتفشل مهمته.
• • •
مقدمة طالت منى بالغصب عنى ولكنى أفرغت فيها ما فى صدور بعض الصحفيين من ضيق وخيبات أمل بسبب عجزهم عن الحصول على إجابات صادقة أو صحيحة لأسئلة «عششت طويلا» فى رءوسهم، أو لعل الضيق وخيبات الأمل سببها عجز الطرف الآخر هو نفسه عن تقديم هذه الإجابات.
• • •
اخترت ليقود قائمة الأسئلة الحائرة بحثا عن مجيب سؤالا أو حزمة من أسئلة تحاول استشراف معالم مستقبل قريب أو بعيد ليس فقط لإقليم درجنا على اعتباره عربى اللغة والقوم والموقع والتاريخ ولكن أيضا لعالم صارت تتحكم فيه أسباب فوضى خبيثة، تهددنا جميعا بخطر انتشارها فى كل خلايا البدن الدولى.. يتحدثون عن غرائب. أتصور أنه يوجد فى عالمنا المعاصر غرائب أشد غرابة وفروقات أشد اتساعا من أى غرائب وفروقات فى مرحلة سابقة فى التاريخ السياسى، لكنها لا تبرر أن يعترف مسئول سياسى أنه غير واثق من المستقبل.
• • •
دائما وأبدا هذا المسئول متيقن تماما من هيمنة حالة عدم اليقين على التفكير فى المستقبل. لم يتوقف الصحافيون فى كل أرجاء العالم عن توجيه هذا السؤال لكل مسئول يرضى لنفسه أن يقف أمام صحافيين مجتهدين ولكن قلقون. أخشى أن أنطق بلسان غالبية السائلين فأقول أن «عدم اليقين صار اليقين الوحيد فى الحال الراهنة»، ولا أحد فى قطاعات السلطة مستعد للنطق علانية بهذه الإجابة لما ترتبه من تحديات وقضايا.
• • •
السؤال التالى مرتبط بالسؤال الأول. يسألون ولا يتلقون إجابة واحدة شافية. يعيش عالمنا حالة فوضى علاماتها واضحة لا تخطئها عين صحافى مجتهد. غزة على صغرها وضعفها ولكن برمتها إقليميا ودوليا وإنسانيا وإعلاميا علامة بارزة على هذه الحالة من الفوضى. حالة لا تنظمها قواعد ولا قانون ولا أعراف ولا عقل متحضر، حالة أقرب ما تكون إلى حالة البداية عندما كانت الغابة بدون شريعة.
• • •
يسألون عن أسباب هذه الفوضى. أتفهم الحرج المصاحب للإجابة عن أسباب الفوضى الدولية وبخاصة ما تعلق منها بالظاهرة الترامبية فى السياسة الدولية. ولكن يصعب على نهج تفكيرى تفهم عدم الإجابة عن سؤال يبحث فى أسباب الفوضى الإقليمية، أو تفهم إجابة ملتوية أو غير صحيحة أو إجابة تعبت وأتعبتنا بطول الكذب، الأبيض منه والشرير، أو إجابة تغوص فى التاريخ قديمه وقريبه وكلاهما تعرض لحملات أفقدته سمعة الاستقرار.
يسألون عن المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة العرب ويستعدون لسؤاله عن خبرته وتجاربه فى شئون العرب وموقفه الشخصى من محاولات تمييع قضية الاعتراف بدولة فلسطينية، ومنها الإعلان عن قائمة بإجراءات تحل محل إعلان عن دولة مستقلة لفلسطين. هنا يستحق السؤال: من يستهين بذكاء وحرمات من وافق على الانسياق وراءها؟. هل يجيبنا الرئيس ماكرون بشفافية وصدق؟ أم نسأل رأس الغرب وهو الطرف الأعظم فى أى خطة تدبر الآن للشرق الأوسط على اتساعه وتنوعه، أو خطة دبرت بالفعل لنا وجارى تنفيذها لتصفية أوضاع الإقليم العربى؟.
• • •
قضيتان تداخلتا فى الآونة الأخيرة وتحولتا إلى سؤال كبير يبحث عن إجابة تبدو بعيدة وصعبة. نتساءل مع جماهير الصحافيين العرب إن كانت الدول العربية منفردة أو مجتمعة أعدت إجابة عن سؤال يتعلق بمجمل الخطط التى تنفذ أو تعد حاليا فى دول الغرب لطرد المهاجرين العرب إلى بلادهم التى هجروها أو هاجروا منها إلى الغرب، «علما بأن دولا غربية معينة أدمجت فى هذه الخطط أهدافا شريرة تضع كل الطلبة والأساتذة الفلسطينيين والعرب واللاتينيين والمتعاطفين مع أهل فلسطين»، كلهم ضمن قائمة سوداء تمهد لطردهم بإيحاء أو توجيهات من الرأس الخفية للحركة الصهيونية العالمية التى تحرك عن بُعد وأحيانا عن قرب بعض دمى السلطة فى الغرب وخارج الغرب. إنها الحرب الانتقامية الوحشية التى تشنها الصهيونية العالمية لوقف التعاطف المتزايد مع المقاومة الفلسطينية. الهدف فى النهاية غرب بدون هنود حمر ولاتينيين وملونين وبدون مسلمين وعرب.
• • •
أسأل مع السائلين، كانت الجامعة العربية، على عجزها، موضع اتهام من إسرائيل بالعداء للسامية منذ أنشئت قبل سبعين عاما، أسأل هل يشعر المسئولون العرب بأن خطة تصفية الجامعة كمؤسسة إقليمية شبه قومية قد اتخذ فعلا وجارى تنفيذه بشكل أو آخر، أو نسأل إن كان المسئولون العرب قد انتبهوا أخيرا إلى خطورة الحال التى تردت إليها الجامعة العربية وانعكاس هذه الحال على النظام الإقليمى العربى، وانتبهوا إلى ضرورة الإسراع فورا لإنعاشهما وتهيئتهما لسنوات صعبة ومختلفة. هل من إجابة أو إجابات عاجلة فالأجواء الصحافية العربية ملتهبة بالتوقعات والآمال.
• • •
أسأل مع السائلين وهم كثر، أسال عن الدول العربية الهشة والدول المنفرطة على نفسها والدول التى خرجت من دور فى صنع الإقليم ودخلت دور الدول الهدامة، والدول التى خرجت من دائرة الاهتمام والتحليل إلى دوائر النسيان، والدول التى انقسمت بين جيشين، والدول النموذج للتنوع إلى دول النموذج للفتن والتعصب والاقتتال، أسأل المسئولين العرب، عن من فعل بها ما فعل وكيف فعل ولماذا فعل. أسألهم أيضا عن قادم الأفعال، وفيهم من يعلم.
• • •
أسأل مع السائلين عن مصير نظام دولى تسدد فيه القنابل الحارقة ضد مختلف مؤسساته الواحدة بعد الأخرى. لا أمل بعد اليوم فى مؤسسة كانت تقدس حرية التجارة العالمية، أو فى أخرى ركزت على صحة شعوب العالم، أو ثالثة تهتم بإنقاذ الفلسطينيين من جوع مدروس ومحق ومن أمية بشعة، أو رابعة تخصصت فى استبعاد الحروب والطغيان وحماية الشعوب الضعيفة، أو خامسة مكلفة بإدانة ومحاكمة مجرمى الحرب. أضف إلى كل ما سبق دولة أعظم انحدرت مكانتها وهيبتها إلى حال راهنة داعية للحسرة والأسى.
• • •
كثيرة هى الأسئلة المقموعة أو الغائبة عن حلبات النقاش، أختار منها العناوين التالية، أولها، السؤال المتكرر قمعه والتعتيم عليه عن ظروف وملابسات وخطط صنع الإرهاب فى الشرق الأوسط، الصحافيون يريدون القصة الحقيقية فى طبعتها النهائية، وهى فى الغالب مشوقة ومذهلة. ثانيها، السؤال المدفون فى ملفات أمنية هامة ولكن المطل منها علينا بين الحين والآخر وأقصد عملية اغتيال جون كنيدى. .
ثالثها، السؤال المتردد بكثرة بين الصحفيين المهتمين بحال الإقليم عن بقية الخرائط المعدة فى دول كبيرة وغير كبيرة للشرق الأوسط كما «يبغاه» بعض العرب أو كما يبتغيه غير العرب. رأينا خريطة أو خريطتين أطلعنا عليها نتنياهو، وفضولنا للاطلاع على الخرائط الباقية يتحول تدريجيا لرغبة عارمة.
رابعها، أسأل مع عشرات أو مئات الصحفيين عن لغز تحريم توجيه سؤالين إلى قادة الدول الغربية، سؤال منهما عن السبب وراء شن المقاومة الفلسطينية حملة عسكرية ضد إسرائيل يوم السابع من أكتوبر من عام 23، والسؤال الثانى عن السبب الحقيقى وراء قرار الرئيس الروسى شن عملية عسكرية ضد أوكرانيا قبل ثلاثة أعوام. أعلم عن حدس قلما أخطأ أنه لو سمحت قوى القرار فى الغرب كما فى العالم العربى بتوجيه السؤالين والإجابة الصادقة عليهما لذاعت حقيقة السبب فى الحالتين ووفرنا على العالم عشرات الألوف من الضحايا والمصابين وتريليونات الدولارات.
• • •
وأسئلة أخرى.. ضمن أكوام تراكمت على امتداد السنين والممارسة تنافس أكياس الحلوى المصطفة على رفوف مكتبتى أو تختلط عشوائيا مع مستندات وشهادات محشوة بها أدراج مكتبى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أسئلة يحرمون طرحها أسئلة يحرمون طرحها



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt