توقيت القاهرة المحلي 02:09:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مصر التى فى خاطري..

  مصر اليوم -

مصر التى فى خاطري

بقلم - جميل مطر

 كنت صغيرا أتعلم عندما تلقيت فى هدوء وبارتياح وبالتدريج أول دروس فى الوطنية، وكنت شابا متعلما ومعلما ومسئولا عندما تلقيت فى صخب وبعنف أول دروس التشكيك فيها.

كنت طفلا أتردد مع أمى على بيت أمها لنقضى فى صحبة العائلة الممتدة يوما بليلة أو ليلتين كل أسبوع. هناك فى قلب قاهرة المعز يعيش المصرى ساعات من تاريخ بلده. طراز البيت والمسجد المقابل له ومدرسة حفظ القرآن الملحقة به والسقا الواقف فى انتظار خروج المصلين وبائع البليلة وفى الغالب رافعا جلبابه حتى قرب وسطه، ومن مسافة غير بعيدة يأتى من عشرات الدكاكين المنتشرة على جانبى شارع أمير الجيوش صوت الدق على النحاس تمهيدا لجليه، لا يهدأ الدق إلا عند سماع الآذان صادرا من مئذنة الجامع بأحلى صوت وأجمل لحن.

• • •

لم أقض وقت الطفولة كله فى أحضان عدد غير قليل من الخالات والقريبات، فالرجال قليلون فى عائلتنا. كانت التقاليد تفرض أن نتعلم نحن الصغار بنينا وبنات اللغة العربية والدين بين يدى شيخ معمم. أعتقد الآن، وقد صرت أكبر منه بعقود، أن له الفضل فى وضع الأساس السليم ليس فقط لإتقان اللغة كتابة ونطقا، بل له فضل آخر لا يقل شأنا، وهو أننى تعلمت تفسير كثير من الظواهر والمفاهيم والعادات بإعادتها إلى جذورها فى تاريخ البلد، مصر يعنى، وبخاصة تاريخها السياسى.

• • •

للرحلة الأسبوعية مع والدى إلى حى الحسين والوكالات التجارية العملاقة فى شارع الموسكى والغورية والصاغة لأداء فروض تجديد الولاء للكبار فى عائلته. هناك كنت أسمع، ولم أكن اقتربت من سن الشباب، حكايات حب  فى مصر يرويها باعة من اليهود والمغتربين من الريف والصعيد. كانت لوالدى وأشقائه وأقربائه ممن كانوا فى مثل عمره روايات عن بطولات وتضحيات المصريين فى ثورة 19. يشعر السامع وكأن مصر ولدت فى تلك الثورة، إلا عندما يمتد الحديث إلى ثورة عرابى التى يقسم كل متحدث أنها لم تكن هوجة كما يدعى البعض.

• • •

لا تفوتنى مناسبات كانت ضرورية لتشكيل الوعى الوطنى لطفل ثم مراهق شغوف بمعرفة كل ما هو جديد وكل ما يقف وراء مظاهر أو ظواهر. أتذكر جريدة مصر الناطقة التى كانت تنقل لنا فى دور السينما مظاهر استقبال «جلالة الملك المعظم».

أتذكر الحفاوة التى كنا نستقبل بها زيارات الملك ورؤساء حكوماته. حدث خلال مرحلة أكثر تقدما فى مسيرة نضجى أن استفسرت من والدى عن السبب وراء نقص الحفاوة مقارنة بسنوات الطفولة المتأخرة وسنوات المراهقة المبكرة. أتذكره يقول شيئا عن تدخل الإنجليز فى تفاصيل السياسة المصرية وفساد أهل القصر والشعبية المتزايدة للوفد.

• • •

لاحظت الفتور من استجابات الحضور لظهور الملك وحاشيته فى جريدة مصر الناطقة ومن تحول الشعبية فى اتجاهات أخرى. من هذه الاتجاهات على سبيل المثال الإقبال الأشد على توديع المحمل مزودا بالدموع والفرحة وأحيانا كثيرة الهتاف لفريق الفرسان المرافق له. منها أيضا تصاعد وتيرة مظاهرات الطلبة ضد الإنجليز ثم ضد الملك والإنجليز معا. لا شك فى أن المظاهرات فى حد ذاتها كانت إحدى أهم مدارس بناء الوعى الوطنى.

• • •

بالنسبة لتجربتى الخاصة أعتقد أنه مما رسخ فى عقل الطفل فى تلك الأيام حب الوطن تجنيد الأطفال فى عموم مصر بأسرها لمدة أسبوع كامل للتدريب على الاحتفال بعيد ميلاد الملك وعيد جلوسه على العرش. ظل المنظر فى ميدان عابدين محفورا فى مخيلتى لسنوات عديدة تغذيه أمى التى كانت تفاخر شقيقاتها وجاراتها بابنها المحظوظ.

• • •

رسخ الحب للوطن أيضا، إلى جانب المظاهرات والاستعراضات الرياضية فى ميدان عابدين، الانتخابات الدورية لعضوية مجلس النواب. أتذكر جيدا أحد معلمى الحى وقد امتطى حمارا وأطفال من الأحياء المجاورة بالجلاليب تركض خلفه وهى تهتف باسمه ملحقة به رتبة البكوية. كانت المناسبة كافية لتجعل الحى يعيش فرحة حقيقية لا تُصنع فيها، فها هو ابن الحى يدخل البرلمان تحت القبة التى منحت الحى هيبة إضافية بعد كونه حى سكن موظفى الدولة ومعظم مبانى الحكم.

• • •

كان والدى على حق حين شجعنى على الانضمام لفريق الكشافة بالمدرسة الابتدائية ثم فى المدرسة الثانوية وفى الجامعة. أتصور أنه أراد إلى جانب رغبته فى دعم الوعى بالوطن، وكان محقا فى هذه الرغبة فعائد الانضمام إلى الكشافة مراهقا ثم شابا كان فوق كل تصور.

• • •

دار الزمن دورة من دوراته. صار الشاب رجلا ثم كهلا. تغيرت فيها أمامه السياسات والأشخاص والأشياء. تغير علم مصر الأخضر ولم يقنع الشاب سبب واحد من كل الأسباب التى ترددت دفاعا عن العلم الجديد. ثم تغير لبعض الوقت اسم مصر بل واختفى لسنوات عاد بعدها، وإن ضمن صيغة أوسع، ولكن وسط ترحيب يعزز التمسك باسم مصر، مصر الوطن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصر التى فى خاطري مصر التى فى خاطري



GMT 06:43 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

GMT 06:39 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 06:19 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مراجعات الأولويات أولاً!

GMT 06:16 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

GMT 06:14 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان يهرول

GMT 06:12 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

خطاب ملك فى زمن ضجيج

GMT 06:11 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مطعمها حرام

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:50 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:29 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

تصميمات داخلية للمنزل المتواضع مع درجات ألوان مُحايدة

GMT 00:01 2025 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

الإسماعيلى ينتظر رد فيفا من أجل رفع إيقاف القيد مجددا

GMT 08:00 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثامن يدفعك لتحقق مكاسب وفوائد

GMT 16:31 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

"AZZI & OSTA" تطلق تشكيلتها الجديدة

GMT 05:23 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

الاتحاد المصري يوافق على تشكيل رابطة المحترفين لـ 3 أقسام
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt