توقيت القاهرة المحلي 18:57:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حكاياتي مع السيجارة

  مصر اليوم -

حكاياتي مع السيجارة

بقلم - جميل مطر

قضيت سنوات طفولتى وفجر مراهقتى فى بيت الأب فيه يدخن بحرص وحسب توقيتات لا تتبدل والأم تكره رائحة الدخان وتحرمها على المطبخ. الوالد يدخن فى مواعيد تكاد لا تتغير. سيجارة مع قهوة الصباح وأخرى بعد استراحة القيلولة، ولا تدخين بينهما. سنوات قضيتها أيضا فى صحبة «شلة» لا أحد فيها يدخن. إن حدث وشوهد واحد منها يدخن على ناصية من نواصى اللقاء تردد الخبر لدى الأمهات فى كل البيوت وانهالت على المدخن ويلات الأمهات كافة.

• • •

كنت فى السادسة عشرة أو حواليها عندما فتحت بالصدفة المحضة «مراية» الدولاب الكبير فى غرفة نوم أهلى بتكليف من والدتى. امتدت يدى فى جوف الدولاب الضخم بحثا عن شىء لا أذكره الآن لترتطم بعلبة ناعمة الملمس الخارجى، سحبتها فإذا بى أسحب «كروزة» حمراء اللون ثقيلة الوزن تجمع كما خمنت ثم تأكدت عشرة من علب سجاير ماركة دانهيل الإنجليزية الشهيرة. دفعنى إلى تمزيق غلافها الخارجى الناعم شهرتها «الاستعمارية» وشعبيتها بين ممثلات الأفلام الإنجليزية، وإن لم تكن فى شهرة سجاير لاكى سترايك، الماركة المتميزة فى أفلام الحرب الأمريكية. سحبت علبة من العلب العشرة وخرجت مع الشلة أتباهى وسط مظاهر الاحتجاج والاستنكار. عدت ليلتها إلى البيت بدونها.

• • •

تخرجت وقد احتلت السيجارة مكانة مرموقة فى مظهرى قبل أن يتمدد نفوذها ليحتل موقعا متميزا فى مكونات شخصيتى. أذكر بدون تفاخر أنها نجحت أيضا فى أن تصبح طرفًا فى حياتى العاطفية، تسجل فوزًا بعد فوز وتتلاعب بحرية فى رغبات القلب وشهوات الجسد. أعترف الآن أنها استمكنت حتى تمكنت. بدت فى مطلع علاقتنا ناعمة وضعيفة ورقيقة. لا يتحمل جسدها لحظة رطوبة أو موجة قيظ وجفاف. ارتاحت إلى حمايتى فتعلقت وإلى ضرورتها فى حياتى فازدادت تعلقا.

• • •

أظن أننى ارتحت إلى نعومة ملمسها ومظهرها فتعلقت وإلى صلابة إرادتها فازددت تعلقا. لم نحسب حساب يوم فراق. الاثنان لا يفترقان إلا عند النوم وليس كل النوم على كل حال. إذا دعانى داع للتعرف على سيجارة جديدة المحتوى والمظهر ثارت سجائرى وشنت حربا عادت بالضرر الجسيم على عضو أو آخر من أعضاء جسدى. أنسحب قليلا من ساحة القتال ولكنى عائد حتمًا. السيجارة تعرف وأنا أعرف.

• • •

كثيرًا ما دعانى الأستاذ هيكل، وبخاصة خلال رحلاتنا فى أوروبا وآسيا، إلى أن أجرب تدخين سيجار من سجائره الفاخرة. اعتذرت فى كل مرة وهو غير مصدق، كيف وأنا أعشق التدخين أرفض الارتقاء من تدخين سيجارة أمريكية الأصل إلى تدخين سيجار كوبى لا يقوى على ثمنه إلا أقل المدخنين. كانت حجتى أمامه، وأمام محفوظ الأنصارى الذى لم يتوقف عن دعوتى للانضمام لجماعة السيجار، أن سيجارتى لن تفارقنى. امتنع كبريائى عن عذرى الصحيح وهو أننى أنا الذى لن يفارق وسيجارتى أول من أدرك هذه الحقيقة.

• • •

كنت فى تونس عندما أصابتنى حمى تسببت فى تضخم هائل فى اللوزتين وإلى خشية حقيقية من جانب أفضل أطباء مستشفى التوفيق من أن تنسد مجارى التنفس والبلع واستقر أمرهم إلى حقنى بالكورتيزون فورا بعد تلقينى درسًا فى أخلاقيات التدخين. قالوا لزوجتى، بصوت الواثقين والمتحيزين للبشر على حساب ما عداهم، «لا عودة إلى التدخين. فما حدث له أو معه ليس أقل من إنذار أول ولعله الأخير. هو حى الآن لأنكما تسكنان قريبا من المستشفى وإلا كنت الآن تخرجين من المستشفى وتعودين إلى بيتكما بدونه».

• • •

قضيت بمنزلى من فترة النقاهة أربعة أيام، قضيتها جالسا فى غرفة الموسيقى وعلى أريكتى المفضلة وعيناى معلقتان بشاشة التلفيزيون  وأصابعى ملتصقة بعلبة سجائرى التى وجدتها فى مكانها تنتظر عودتى ولسانى ملتهب من سخونة عبارات الإدانة وصرخات العتاب الموجهة إلى سيجارة خرجت، لست أدرى كيف ومتى خرجت، من علبتها والتصقت ببعض أصابعى. 

لم تستقر ساكنة، أظن أنها كانت تتحرك متألمة تحاول التفلت من قبضة أصابعى عندما سمعت اتهامى الصريح لها بخيانة العهد. أذكر أننى قلت لها إننى لم أبخل عليها يومًا بحب أو غيرة أو حضن. عشت أيامى معها إن غابت أو غبت أعرب لها عن شوقى، خصصت لها أقرب موقع جغرافى من قلبى وهو الجيب فى جميع قمصانى الإفرنجية ويسميها التوانسة  بالسورية، نسبة إلى القمصان التى كان يرتديها المترجمون السوريون واللبنانيون فى الجيش الفرنسى المحتل، بينما ارتدى رجال تونس الملابس العربية العثمانية. خانت العهد لأنها تسببت عن علم وخبرة فى إصابتى بمرض استدعى نقلى إلى المستشفى.

توقف العتاب بعودتنا إلى علاقة أوثق انتهت بعد عشرين سنة بنقلى إلى مستشفى مصطفى محمود فى قلب إمبابة وأنا بين الحياة والموت. هذه المرة أصيب القلب إصابة مباشرة. هناك وفى وجود حشد من أفراد عائلة وأصدقاء وزملاء وزميلات عمل مبللة عيونهم بالدموع أفقت على نية قطيعة لا مفر منها.

• • •

أنعى لنفسى  طول الوقت وإلى يومنا هذا نهاية علاقة لعلها الأطول والأقرب إلى قلبى وعقلى بين غيرها من علاقات أقمتها مع أغراب أو أقرباء. لا أنكر أننى أحلم بما دار بيننا على انفراد أو فى حضور آخرين. أعيش وفيا لها رغم كل ما تسببت فيه. أحن إليها إن رأيتها بين أصابع غريب. أختار فى المطعم أو المقهى مكانا لمائدتى بين موائد المدخنين على هواء المكان يحمل لى زفرة دخان أطلقها أحد المدخنين.

• • •

لن أعود يا معشوقتى. لن أعود.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حكاياتي مع السيجارة حكاياتي مع السيجارة



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt