توقيت القاهرة المحلي 19:17:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رجال أثروا في حياتي

  مصر اليوم -

رجال أثروا في حياتي

بقلم - جميل مطر

كثيرون هم الرجال الذين أثروا فى مجرى حياتى. بعضهم خلف آثارًا أثرت ساعات وأيامًا. بعض آخر ترك بصمات لا تمحى. بعض ثالث مر مرورًا عابرًا ولكن بآثار عميقة. كثيرون عبروا عبورًا خامدًا، لا حس ولا خبر.

فى حياتى رجال آلوا على أنفسهم إلا أن يرسموا لحياتى خرائط طريق ضعت فى كثير من شعابها وصححت أو أعدت رسم القليل منها، ورجال عاشوا ورحلوا ولم يدركوا أنهم خلفوا لى وراءهم إرثًا من قيود كبلت بعض حرياتى، وآخرون كثيرون قدموا نماذج حية موحية أو مغرية أو ناهية جربت منها البعض القليل وتمردت على البعض الكثير..

فى حياتى، كما فى حياة كل الناس، رجال يستحقون أن نأتى على ذكرهم بين الحين والآخر وفاء وإشادة أو تنبيها وإفادة.

• • •

قيل لى إنه كان لى عم، شقيق لأبى، يكبره بسنوات غير قليلة وكان الأكبر على أشقاء خمسة أو ستة. أذكره شكلا. قيل لى أيضا إن هذا العم تعرف فى شبابه على «فنانة» يونانية تغنى وترقص لرواد ملهى ليلى. تطورت العلاقة نحو حب جارف من طرف واحد أطاح بثروته الشخصية قبل أن تمتد لتطيح بثروة العائلة  المكونة من أراضٍ زراعية وشركات ومطابع ومحلات لبيع الكتب وغيرها من «الورقيات». فرضت الأزمة على أبى وأشقائه التوقف عن الدراسة للعمل بالحكومة. فرضت أيضًا علينا جميعًا فى العائلة الالتزام بثقافة عنوانها بالعامية المصرية «إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه». وبالفعل كان هذا الالتزام أحد اعتبارات القرار بتوجه معظم شبان العائلة نحو آفاق العمل الحكومى.

• • •

بمناسبة الحديث عن عمى الأكبر أذكر أننى فى بداية سنوات مراهقتى اكتشفت أن عمى الأصغر يقضى معظم أمسياته وبعض لياليه فى مقهى غير بعيد عن موقع سكنى. اكتشفت أيضا أن عازفا على العود لا تفوته هذه السهرات وأننى صرت أحرص على الاستماع لعزفه وأغانيه الشعبية مختبئًا مع مراهقين آخرين وراء حائط تابع لمبنى مجاور للمقهى. هناك، وأنا فى العاشرة من عمرى، تشبعت مبكرا بفن وشخصية سيد مكاوى حتى صرت أحد مريديه وإن عن بُعد. كبرت سنًا ونضجًا وكبرت معى هواية هذا النوع من الموسيقى الشرقية، كبرت أيضًا ونضجت ابنته حتى صارت سفيرة لدى الفاتيكان.

بمناسبة الموسيقى والولع بها عشت معظم سنوات عمرى أعترف بفضل عز الدين فريد زوج شقيقتى الكبرى على تنمية وعيى بالموسيقى الغربية الكلاسيكية دون تعارض مع تعلقى بالموسيقى الشرقية، وعلى تشجيع ميلى لقراءة الروايات البوليسية ومذكرات القادة الكبار فى دول الغرب. أظن أننى مدين له أيضًا بخاصية الإنصات لساعات لا أمل ولا أقاطع ولا أشرد.

لا أشرد ولكن فى رأسى ورشة تعمل بدون توقف. إذا لم تعمل للعمل الذى أؤديه خلال سنوات خدمة «الميرى» أو الكتابة الحرة والكتابة المقيدة، هذه الأخيرة استهلكت من قوانا وطاقتنا أضعاف ما استهلكته الكتابة الحرة، هى على كل حال آفة كل العصور وكل العقائد، لم يفلت من إسارها مفكر كبير أو صغير.

كنت طفلًا عليلًا، بمعنى كثرة حالات المرض نتيجة التهاب مزمن فى «اللوزتين»، وكان لنا طبيب خاص يسكن فى حى الظاهر فى وقت كنا نسكن حى «المالية» أو حى الوزارات. كان يقطع هذه المسافة فى عز الليل أو عز القيظ. كانت حجة أمى فى استدعائه فى مواعيد غير مناسبة قلق «أبو الولد»، وهو قلق غريب استمر حسب رواية الأم حتى كبر الولد وتخرج فى الجامعة واشتغل بالسلك الدبلوماسى وكان يتأخر فى عودته من سهرة أو أخرى بحكم اختلاطه بنوع مختلف من البشر، لم يكن الوالد يأوى إلى فراشه قبل عودة ابنه إلى البيت، وقد صار هو نفسه رجلًا ورب بيت ووالدًا.

 مرت الأيام، غاب عنا طبيب طفولتى، كبرت وقرأت وأسر لى أبى أن طبيبى الرائع كان يهودى الديانة، وقبل سفره أبلغ أبى أنه يسافر مجبرًا، فهو لم يعرف وطنًا إلا مصر، على أرضها ولد وفى مدارسها وجامعاتها تعلم، وكل أصدقائه وعائلته من هذا البلد. مرت سنوات واختطفنى مع أربعة آخرين مستوطنون يهود يسكنون ضاحية من ضواحى مدينة غزة. هناك، أقصد فى المستوطنة التى احتجزونا فيها كما فى سجن بير سبع، قابلت يهودًا يتأسفون على الابتعاد عن مساقط رءوسهم فى المغرب وتونس وحى السكاكينى والظاهر فى مصر. هؤلاء وأمثال طبيبى كثيرون يخضعون هذه الأيام لإرهاب منظمة صهيونية هى الأشد وحشية وقسوة من كل ما ومن عرفنا وسمعنا عبر العصور.

 على سيرة القسوة أتذكر الشيخ بيومى، العالم الأزهرى الذى جرب تدريبى وبنات خالتى على الصلابة ورفض المرونة فى التعامل مع الغير. أظن أنه لم يوفق معى. إلا أننى يجب أن أعترف أننى تفهمت منذ حينها معانى الإيمان القوى بعقيدة وسلوكيات معتنقيها.

تعلمت أيضا كيف أوفق فى الفصل بين أسلوب كتابة البحث العلمى وأسلوب كتابة التقرير الدبلوماسى والمذكرة الرسمية وأسلوب كتابة التقرير الصحفى ومقال الرأى الموجه لعامة القراء. ثلاثة أساليب لكل أسلوب منها قراؤه. علمنى التمييز بينها وساهم فى نقلى من أسلوب إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى أساتذة من كل الثقافات أكثرهم مصريون ومنهم توفيق رمزى وإبراهيم صقر وبطرس غالى وفتح الله الخطيب، آخرون ساهموا أيضا، أولهم وثانيهم  كنديان  والثالث هندى والرابع رومانى والخامس هنغارى، وفى مرحلة أخرى ساهم فى نقلى من أسلوب البحث العلمى ومن أسلوب التقرير الرسمى والمذكرة البيروقراطية إلى أساليب الصحافة حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وممدوح طه وصلاح الدين حافظ ومحفوظ الأنصارى ومصطفى نبيل وآخرون كثيرون.

لن أسعى لمن يعزز إحساسى ويذكرنى بفضل هؤلاء وغيرهم، فكل سطر أكتبه هذه الأيام كفيل بأداء هذا الواجب المحبب بل والممتع.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رجال أثروا في حياتي رجال أثروا في حياتي



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt