بقلم : عبد اللطيف المناوي
«عقيدة مونرو».. مصطلح عاد من كتب التاريخ ليحتل صدارة المشهد العالمى، لم يكن استدعاؤه هذه المرة استحضارا تاريخيا عابرا، بل على لسان الرئيس ترامب، وفى لحظة سياسية صاخبة أعقبت اعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، وتزامنت مع تصريحات أمريكية متجددة حول الرغبة فى السيطرة على جرينلاند. بدا الأمر وكأن الولايات المتحدة تعلن، بصراحة غير مسبوقة، عودة منطق «المجال الحيوى» إلى قلب سياستها الخارجية.
حين قال ترامب فى أول مؤتمر صحفى له بعد اعتقال مادورو إن امريكا «لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن»، لم يكن يطلق شعارًا انتخابيًا، بل يبعث برسالة استراتيجية واضحة، نصف الكرة الغربى سيظل، من وجهة نظر واشنطن، مجالًا حصريًا للنفوذ الأمريكى، وأى تحدٍ لهذا الواقع سيُواجَه بالقوة السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية. بل ذهب ترامب إلى أبعد من ذلك عندما أشار إلى أن العملية «تثبت أن الهيمنة الأمريكية فى نصف الكرة الغربى لن تكون موضع شك مستقبلا»، وأطلق على هذا النهج اسمًا جديدًا ساخرًا وجادًا «عقيدة دونرو».
تعود عقيدة مونرو إلى عام 1823، حين أعلن الرئيس الأمريكى الخامس جيمس مونرو فى رسالته إلى الكونجرس أربعة مبادئ أساسية، امتناع الولايات المتحدة عن التدخل فى شؤون أوروبا، واعترافها بالمستعمرات الأوروبية القائمة آنذاك فى نصف الكرة الغربى، ورفض أى استعمار أوروبى جديد فى هذا النصف من العالم، واعتبار أى محاولة أوروبية للسيطرة على دوله أو قمعها عملا عدائيًا ضد الولايات المتحدة. كان الإعلان، فى جوهره، محاولة لحماية جمهوريات أمريكا اللاتينية الوليدة من عودة القوى الاستعمارية، فى وقت لم تكن فيه واشنطن قوة عظمى قادرة على فرض إرادتها بالقوة.
لكن العقيدة لم تبقَ ثابتة. مع صعود الولايات المتحدة تدريجيًا كقوة عالمية فى نهاية القرن التاسع عشر، تحولت من شعار دفاعى إلى أداة نفوذ. أضاف الرئيس جيمس بولك بُعدًا توسعيًا حين اعتبر أن على أوروبا أيضًا عدم التدخل فى توسعات الولايات المتحدة نفسها. ثم جاء ثيودور روزفلت مطلع القرن العشرين ليمنح العقيدة تفسيرها الأكثر صراحة عبر سياسة «العصا الغليظة»، معلنًا حق واشنطن فى التدخل بوصفها «شرطيًا دوليًا» فى نصف الكرة الغربى. وهكذا أصبحت عقيدة مونرو غطاءً أيديولوجيًا لتدخلات عسكرية متكررة فى أمريكا الوسطى والكاريبى.
مع مرور الزمن، تغير الأسلوب ولم يتغير الجوهر. فى أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، استحضر الرئيس جون كينيدى روح عقيدة مونرو عندما فرض حصارًا بحريًا على كوبا لمنع الاتحاد السوفيتى من نشر صواريخ على بعد أميال من السواحل الأمريكية. كانت الرسالة واضحة، الاقتراب من المجال الحيوى الأمريكى خط أحمر، حتى لو قاد ذلك العالم إلى حافة مواجهة نووية. لاحقًا، أعاد رونالد ريجان صياغة الفكرة فى ثمانينيات القرن الماضى عبر «عقيدة ريجان»، التى بررت دعم حركات مسلحة حول العالم لمواجهة النفوذ السوفيتى، من نيكاراجوا إلى أفغانستان. ولعقيدة «مونرو» بقية.