توقيت القاهرة المحلي 12:59:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البراغماتيتان «الجهادية» والتقدمية... أيهما تربح السباق؟

  مصر اليوم -

البراغماتيتان «الجهادية» والتقدمية أيهما تربح السباق

بقلم : نديم قطيش

تمثل رحلة التحول من أبو محمد الجولاني إلى أحمد الشرع والتموضع الجديد لـ«هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) في المشهد السوري، ظاهرة معقدة تحمل في طياتها إشكاليات سياسية وفكرية غير مسبوقة. فالجولاني الذي كان رمزاً للتطرف العابر للحدود، يتحدث اليوم بلسان أحمد الشرع وبلغة تتبنى مفردات الوطنية السورية الجامعة والاستقرار الإقليمي والتنمية الشاملة، وصولاً إلى إطراء أكثر الرؤى التنموية والاقتصادية نموذجيةً كـ«رؤية السعودية 2030».

بإزاء تحول بهذا الحجم، يثار سؤال جوهري بشأن ما إذا كنا أمام تغيير حقيقي يُعيد صياغة دور «هيئة تحرير الشام» فاعلاً سياسياً محلياً وإقليمياً، أم أن الجاري أمام أعيننا هو مجرد مناورة متقنة تهدف إلى كسب الشرعية والوقت؟

أياً تكن الإجابة، فالأكيد أن السياستَين العربية والإسلامية بعد سقوط نظام الأسد، باتت في خضم صراع غير مسبوق بين براغماتيتين مختلفين في الرؤية والهدف: البراغماتية التقدمية التي تسعى إلى بناء دول وطنية مدنية من خلال التركيز على الإصلاح الداخلي والتنمية المستدامة، وسياسات السلام والتكامل، ومن جهة أخرى «براغماتية إسلاموية جهادية» تحاول التكيف مع الواقعَين المحلي والدولي من دون التخلي بالضرورة عن جذورها الآيديولوجية، بما في ذلك الجذور المتطرفة. وليس من باب المبالغة القول إن نتيجة هذا الصراع بين تيارين يمتلكان رؤى متعارضة لمستقبل العالمَين العربي والإسلامي ستكون حاسمة في تشكيل ملامح المنطقة لعقود قادمة.

حافظت البراغماتية التقدمية على وجودها في وجه صعود الآيديولوجيات العقائدية الثورية القومية والبعثية والصراعات العابرة للحدود التي استنزفت مقدرات الدول العربية وأضعفت كياناتها السياسية والاجتماعية. هذا التيار، الذي تجسد في تجارب تونس مع الحبيب بورقيبة، والإمارات مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والسعودية مع الملك فيصل، وكانت له بذور في تجربة جنينية مع الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، انحاز بشكل واعٍ إلى مفهوم الدولة الوطنية الناهضة على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق التنمية البشرية، والخطاب السياسي الواقعي التصالحي مع المجتمع المحلي ومع المحيط.

ولئن تفاوتت مسارات هذا التيار السياسي العربي نجد مثلاً أن بورقيبة، قدم نموذجاً لدولة وطنية حديثة من خلال إصلاحات اجتماعية شجاعة، مثل تعزيز حقوق المرأة، وإرساء نظام تعليمي قوي، وتحقيق الاستقرار السياسي بعيداً عن الآيديولوجيات العاطفية كالقومية العربية، في حين أن الإمارات، ركزت مع الشيخ زايد على البراغماتية الاقتصادية والتنموية، الذي حوَّل البلاد نموذجاً للاستقرار والازدهار في منطقة مضطربة. أما في السودان، فقد اختار عبد الرحمن سوار الذهب تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، في خطوة حملت رهانات غير مسبوقة على تأصيل قيم التداول السلمي للسلطة، ولم يُكتب لها النجاح.

على النقيض، برزت «البراغماتية الإسلاموية الجهادية» تطوراً نوعياً في الفكر السلفي «الجهادي» التقليدي، الذي كان يركز تاريخياً إما على إشعال الحرب بين فسطاطي «دار الإسلام ودار الحرب» وإما على إقامة «الخلافة» العابرة للحدود بشكل فوري كما فعل «داعش».

جسدت «طالبان» في أفغانستان و«هيئة تحرير الشام» في سوريا هذا التحول الذي تمثل في إسقاط التبني الحرفي للعمل «الجهادي» العالمي والرهان على صياغة «حاكميات محلية» تتسم بالبراغماتية، وتضع في الحسبان المعوقات الواقعية لمشروعها من دون أن تنفصل كلياً عن أصولها الفكرية.

حتى الآن، لا نملك مثلاً، تصوراً دقيقاً لمعنى فك الارتباط بين «هيئة تحرير الشام» وتنظيم «القاعدة»، أو المرتكز الحقيقي للطلاق بين الجولاني وأبو بكر البغدادي. وليس بوسعنا الوصول إلى استنتاجات حاسمة بشأن تقييم تجربة «الهيئة» والمؤسسات التي أنشأتها لإدارة المناطق التي سيطرت عليها في إدلب.

أما «طالبان» التي أبدت مرونة سياسية مذهلة عبر توقيع اتفاق الدوحة 2020 مع الولايات المتحدة، رغم عدائها العقائدي الصارخ للغرب، فقد استغلت الاتفاق كمرحلة تكتيكية لتحقيق انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، وقفزت فوراً نحو تعزيز مشروعها الأساسي بإقامة نظام حكم إسلامي متشدد وفق رؤيتها الخاصة للشريعة الإسلامية، ومن دون أي اكتراث بتعهداتها السابقة.

وهنا تتجلى تحديات قوى البراغماتية التقدمية في مواجهة هذا النوع من القدرة على الموازنة بين التشدد العقائدي، الذي يتجاوز الجولاني شخصاً، والمرونة اللافتة للتكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والجيوسياسية ما يجعلها عصية على الاحتواء. لا تقتصر التحديات على الجاذبية الصاعدة لفكر الإسلام السياسي بصورته الجديدة الآتية من دمشق، بل تطول ضرورة إعادة التفكير في الاستراتيجيات الإقليمية والدولية للتعامل مع جماعات أصبحت أكثر براغماتية وأقل انغلاقاً؛ مما يمنحها قدرة متجددة على البقاء وحصد النفوذ وتهديد البنى السياسية القائمة.

الصراع الذي تجلى في السابق بين الدول الوطنية التقدمية وبين الدول العقائدية التي توسلت الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي بوصفه عملةَ تداول في هذا الصراع، انتقل الآن ليصير صراعاً على مصادر الشرعية السياسية بين البراغماتيتين، التقدمية والإسلاموية، واللتين تعكسان رؤيتين مختلفتين للدولة والمجتمع. تعتمد البراغماتية التقدمية في نهاية المطاف على ترسيخ قيم المواطنة أساساً لعقد اجتماعي مدني، في المقابل، ترتكز البراغماتية الإسلاموية «الجهادية»، حتى إشعار آخر، على شرعية دينية - آيديولوجية تُقدم نفسها بصفتها ممثلاً «للشريعة الإلهية» مع ما ينطوي عليه ذلك من احتمال إقصاء الهويات الأخرى.

هنا يكمن التحدي الأكبر: هل ستنتصر شرعية الإنجاز والإصلاح على شرعية العقيدة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح المستقبل السياسي والاجتماعي للعالمَين العربي والإسلامي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البراغماتيتان «الجهادية» والتقدمية أيهما تربح السباق البراغماتيتان «الجهادية» والتقدمية أيهما تربح السباق



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt