توقيت القاهرة المحلي 22:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب

  مصر اليوم -

تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب

بقلم : نديم قطيش

إثارة الشهية العربية لدعم سياسي واقتصادي أكبر للبنان ليست أمراً سهلاً. لائحة الخيبات الماضية طويلة. ضعف القرار السيادي اللبناني، وزبائنية جزء كبير من النخبة السياسية، وتاريخ طويل من استغلال المساعدات العربية في صراعات الداخل. كل ذلك لا يلغي أن عدم رفع مستوى الاهتمام العربي الآن في ظل المعادلة السياسية الجديدة الناشئة، سيترك فراغات استراتيجية يملأها آخرون، كإيران أو إسرائيل، أو الفوضى.

لنتفق على أنه ليس في المشهد اللبناني ما يوحي بأن ضربة قاضية ستُسقط سلاح «حزب الله» غداً أو تنهي نفوذه المتهالك بين ليلة وضحاها، كما حصل مع نظام الأسد في سوريا.

الأرجح هو مسار تآكل أطول وأكثر تعقيداً. موت بطيء يتعرض له الحزب، ومعه مشاريع عابرة في المشرق كله. والأكيد أن الهيمنة المطلقة انتهت، وأن الكيان الذي بدا عصياً لعقود فقد مقومات سطوته على لبنان، بدءاً من الهزيمة العسكرية المباشرة له ولداعميه.

ولكن المفارقة أن مسار الموت البطيء أكثر خطراً من السقوط المفاجئ. فالفوضى التي يخلِّفها كيان مسلَّح يتآكل من دون أن ينهار، تُنتج في الغالب سنوات من الشلل والابتزاز السياسي والمراوحة الاقتصادية، ومجتمعاً ممزقاً بين الخوف من المستقبل والحنين إلى استقرار مزيَّف، تنتج جميعها تسويات قاتلة.

وعليه، يذكِّرنا التاريخ القريب بأن انتظار أن يحسم لبنان وحده سلاح «حزب الله»، أو أن تتغيَّر موازين القوى الداخلية، أو أن تنكفئ إيران، سرَّع انهيار لبنان، وترك الدولة بلا أدوات ولا حماية.

صحيح أن هناك من يجادل بأن الانكفاء العربي -رغم تكلفته- كان سبباً فيما نشهده اليوم من تغيُّر في المعادلة اللبنانية. فلو لم يُترك الحزب ليُستنزف في مواجهاته وحروبه، لما وصل إلى مرحلة التآكل وفقدان الهيمنة، ولا انتبه الرأي العام إلى من هم حلفاؤه بصدق، ومن هم أعداؤه عن سابق تصور وتصميم. تحمل هذه الحجة كثيراً من الوجاهة؛ غير أن الأهم الآن ليس العودة إلى تبرير الماضي؛ بل البناء على ما تحقق، وتحويل نتائج هذا الاستنزاف إلى فرصة سياسية واقتصادية تُكرِّس حضور الدولة، وتمنع لبنان من السقوط في فراغ قاتل.

ثمة مخاطرة كبرى في خيار الجلوس على ضفة النهر منتظرين اكتمال «موت الحزب» قبل التحرُّك؛ لأن في ذلك تفويتاً غير مبرر للفرصة التي تمنحها مرحلة تآكل «حزب الله». فمسؤولية التدخل المبكر -السياسي والاقتصادي والأمني- كبيرة، وهي وحدها الكفيلة بمنع لبنان من الانزلاق إلى هاوية جديدة، ستكون لها انعكاساتها السلبية جداً على المسارات الإيجابية الناشئة في الإقليم.

فالمسألة في جوهرها ليست لبنانية فقط. التلاشي البطيء لـ«حزب الله» لا ينفصل عما يحدث في سوريا، بخاصة بعد سقوط النظام في دمشق. لا يمكن إعادة هندسة المستقبل السياسي في لبنان من دون أن يكون ذلك جزءاً من إعادة هندسة أوسع لمشرق ما بعد الحرب: سوريا بلا الأسد، العراق في مرحلة إعادة تعريف هويته السياسية، وإيران نفسها تعيش أزمة وضبابية بشأن المستقبل.

لا ينبغي التعامل مع لبنان كجزيرة معزولة؛ بل كقطعة في لوحة إقليمية يعاد رسمها، تستلزم تجاوز ردود الفعل التقليدية إلى استراتيجية شاملة.

لم يكن ممكناً استيلاد المعادلة السياسية القائمة في لبنان اليوم في رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء؛ لولا الدفع السعودي السياسي الحاسم. يتطلب تحصين هذا الإنجاز من الدول العربية مزيداً من دعم الدولة اللبنانية بخطوات تدريجية، كتمويل إعادة بناء الحد الأدنى من قطاع الخدمات، ولا سيما الكهرباء، بشروط واضحة وشفافة، والاستثمار في مؤسستَي الجيش وقوى الأمن كمؤسسات جامعة ومحترفة، ورسم خط متوازٍ مع الحاصل في سوريا الجديدة، لتثبيت معادلة مختلفة في المشرق كله.

يجب أن يُعطى اللبنانيون أيضاً أفقاً سياسياً واقتصادياً واضحاً لمعركتهم. ما ينبغي تفاديه هو تركهم فريسة لفكرة «الاستقرار المزيَّف» الذي طالما فُرض عليهم كهدنة مشروطة في لعبة ابتزاز، يُمنح فيها سلم أهلي مقابل الخضوع للميليشيا.

الموت البطيء لـ«حزب الله» قد يبدو خبراً ساراً لمن أنهكتهم هيمنته، ولكنه يحمل في طياته مخاطر الانهيار الطويل إذا تُرك بلا إدارة ولا رافعة عربية. الخطر الأكبر هو الظن أنه بالإمكان انتظار النهاية من بعيد. فهذه النهاية لن تأتي ضربة واحدة؛ بل هي مسار من التآكل والفوضى، قد يطول كثيراً. البديل والمسرِّع هو أن تُستثمر هذه اللحظة في هندسة سياسية جديدة للبنان، مرتبطة عضوياً بإعادة ترتيب البيت السوري والعراقي، وعلى نحو يقطع الطريق على مشروع الهيمنة الإقليمية من جذوره.

إنها لحظة نادرة في تاريخ المشرق: إما أن تتحول إلى فرصة لبناء نظام إقليمي أكثر توازناً، وإما أن تضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt