توقيت القاهرة المحلي 09:45:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب

  مصر اليوم -

تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب

بقلم : نديم قطيش

إثارة الشهية العربية لدعم سياسي واقتصادي أكبر للبنان ليست أمراً سهلاً. لائحة الخيبات الماضية طويلة. ضعف القرار السيادي اللبناني، وزبائنية جزء كبير من النخبة السياسية، وتاريخ طويل من استغلال المساعدات العربية في صراعات الداخل. كل ذلك لا يلغي أن عدم رفع مستوى الاهتمام العربي الآن في ظل المعادلة السياسية الجديدة الناشئة، سيترك فراغات استراتيجية يملأها آخرون، كإيران أو إسرائيل، أو الفوضى.

لنتفق على أنه ليس في المشهد اللبناني ما يوحي بأن ضربة قاضية ستُسقط سلاح «حزب الله» غداً أو تنهي نفوذه المتهالك بين ليلة وضحاها، كما حصل مع نظام الأسد في سوريا.

الأرجح هو مسار تآكل أطول وأكثر تعقيداً. موت بطيء يتعرض له الحزب، ومعه مشاريع عابرة في المشرق كله. والأكيد أن الهيمنة المطلقة انتهت، وأن الكيان الذي بدا عصياً لعقود فقد مقومات سطوته على لبنان، بدءاً من الهزيمة العسكرية المباشرة له ولداعميه.

ولكن المفارقة أن مسار الموت البطيء أكثر خطراً من السقوط المفاجئ. فالفوضى التي يخلِّفها كيان مسلَّح يتآكل من دون أن ينهار، تُنتج في الغالب سنوات من الشلل والابتزاز السياسي والمراوحة الاقتصادية، ومجتمعاً ممزقاً بين الخوف من المستقبل والحنين إلى استقرار مزيَّف، تنتج جميعها تسويات قاتلة.

وعليه، يذكِّرنا التاريخ القريب بأن انتظار أن يحسم لبنان وحده سلاح «حزب الله»، أو أن تتغيَّر موازين القوى الداخلية، أو أن تنكفئ إيران، سرَّع انهيار لبنان، وترك الدولة بلا أدوات ولا حماية.

صحيح أن هناك من يجادل بأن الانكفاء العربي -رغم تكلفته- كان سبباً فيما نشهده اليوم من تغيُّر في المعادلة اللبنانية. فلو لم يُترك الحزب ليُستنزف في مواجهاته وحروبه، لما وصل إلى مرحلة التآكل وفقدان الهيمنة، ولا انتبه الرأي العام إلى من هم حلفاؤه بصدق، ومن هم أعداؤه عن سابق تصور وتصميم. تحمل هذه الحجة كثيراً من الوجاهة؛ غير أن الأهم الآن ليس العودة إلى تبرير الماضي؛ بل البناء على ما تحقق، وتحويل نتائج هذا الاستنزاف إلى فرصة سياسية واقتصادية تُكرِّس حضور الدولة، وتمنع لبنان من السقوط في فراغ قاتل.

ثمة مخاطرة كبرى في خيار الجلوس على ضفة النهر منتظرين اكتمال «موت الحزب» قبل التحرُّك؛ لأن في ذلك تفويتاً غير مبرر للفرصة التي تمنحها مرحلة تآكل «حزب الله». فمسؤولية التدخل المبكر -السياسي والاقتصادي والأمني- كبيرة، وهي وحدها الكفيلة بمنع لبنان من الانزلاق إلى هاوية جديدة، ستكون لها انعكاساتها السلبية جداً على المسارات الإيجابية الناشئة في الإقليم.

فالمسألة في جوهرها ليست لبنانية فقط. التلاشي البطيء لـ«حزب الله» لا ينفصل عما يحدث في سوريا، بخاصة بعد سقوط النظام في دمشق. لا يمكن إعادة هندسة المستقبل السياسي في لبنان من دون أن يكون ذلك جزءاً من إعادة هندسة أوسع لمشرق ما بعد الحرب: سوريا بلا الأسد، العراق في مرحلة إعادة تعريف هويته السياسية، وإيران نفسها تعيش أزمة وضبابية بشأن المستقبل.

لا ينبغي التعامل مع لبنان كجزيرة معزولة؛ بل كقطعة في لوحة إقليمية يعاد رسمها، تستلزم تجاوز ردود الفعل التقليدية إلى استراتيجية شاملة.

لم يكن ممكناً استيلاد المعادلة السياسية القائمة في لبنان اليوم في رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء؛ لولا الدفع السعودي السياسي الحاسم. يتطلب تحصين هذا الإنجاز من الدول العربية مزيداً من دعم الدولة اللبنانية بخطوات تدريجية، كتمويل إعادة بناء الحد الأدنى من قطاع الخدمات، ولا سيما الكهرباء، بشروط واضحة وشفافة، والاستثمار في مؤسستَي الجيش وقوى الأمن كمؤسسات جامعة ومحترفة، ورسم خط متوازٍ مع الحاصل في سوريا الجديدة، لتثبيت معادلة مختلفة في المشرق كله.

يجب أن يُعطى اللبنانيون أيضاً أفقاً سياسياً واقتصادياً واضحاً لمعركتهم. ما ينبغي تفاديه هو تركهم فريسة لفكرة «الاستقرار المزيَّف» الذي طالما فُرض عليهم كهدنة مشروطة في لعبة ابتزاز، يُمنح فيها سلم أهلي مقابل الخضوع للميليشيا.

الموت البطيء لـ«حزب الله» قد يبدو خبراً ساراً لمن أنهكتهم هيمنته، ولكنه يحمل في طياته مخاطر الانهيار الطويل إذا تُرك بلا إدارة ولا رافعة عربية. الخطر الأكبر هو الظن أنه بالإمكان انتظار النهاية من بعيد. فهذه النهاية لن تأتي ضربة واحدة؛ بل هي مسار من التآكل والفوضى، قد يطول كثيراً. البديل والمسرِّع هو أن تُستثمر هذه اللحظة في هندسة سياسية جديدة للبنان، مرتبطة عضوياً بإعادة ترتيب البيت السوري والعراقي، وعلى نحو يقطع الطريق على مشروع الهيمنة الإقليمية من جذوره.

إنها لحظة نادرة في تاريخ المشرق: إما أن تتحول إلى فرصة لبناء نظام إقليمي أكثر توازناً، وإما أن تضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب تآكل السلاح فرصة للبنان وللعرب



GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

GMT 09:44 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:41 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ولم تطرف له عين

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt