توقيت القاهرة المحلي 11:18:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دروس أردنية في واشنطن

  مصر اليوم -

دروس أردنية في واشنطن

بقلم : نديم قطيش

إن دلّت على شيء المواكبةُ الإعلامية الدولية الكثيفة التي حظيت بها زيارة ملك الأردن عبد الله الثاني، إلى واشنطن، فهي تدل على دوره في الدبلوماسية الإقليمية، لا سيما من بوابة السؤال الفلسطيني. فاللقاء الأول بين الرئيس الأميركي، دونالد ترمب في ولايته الجديدة، والملك عبد الله، عكس بوضوح لا لبس فيه أهمية الأردن في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط عموماً، وفي هذا التوقيت خصوصاً، مع ما يتطلبه هذا التحالف من موازنة صعبة تمارسها عَمّان بين موجبات العلاقات القوية بين البلدين، وأولوية المصالح الوطنية الأردنية.

المطلعون على موقف الملك عبد الله يؤكدون أنه يجيد التعامل مع «الفَوَران التِّرَمْبِيّ»، فهو يرى أن سلوك ترمب ليس نابعاً من موقف سلبي مسبق تجاه المصالح العربية، بقدر ما هو مدفوع بأسلوب الرجل وطريقته في التعبير عن حيوية فائقة مقرونة بافتقار حاد إلى أفكار سياسية مركبة ومعقدة. لذلك حرص الأردن على أن يرفض بحزم أي مقترح لتهجير الفلسطينيين من غزة، بالتوازي مع تجنب أي صدام علني مع الإدارة الأميركية.

ينطلق الأردن، في رفضه القاطع مقترحات إعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة، من رفضه أولاً وأخيراً أي خطة من شأنها تهديد استقراره أو هويته الوطنية. لكنه يربط هذه المصلحة بمصالح أوسع، هي مصالح الفلسطينيين والعرب جميعاً، بالإضافة إلى مصلحة إسرائيل نفسها التي ستكون أول المتضررين من اضطراب أمن واستقرار دولة تشترك معها في أطول حدود.

وخلافاً لمحاولات مغرضة أرادت تظهيره على أنه مجرد متلقٍّ للضغوط السياسية، أثبت الأردن بالفعل أنه مهم في الدبلوماسية الإقليمية، وطرف فاعل في صياغة حلول سياسية إقليمية قابلة للحياة، عبر قدرته على التنسيق الوثيق مع عواصم عربية أخرى، لا سيما الرياض والقاهرة وأبوظبي.

تتضح جرأة الملك عبد الله أكثر إذا ما تذكرنا أن الأردن يُعدّ من كبرى الدول المستفيدة من المساعدات الأميركية، فهو يحصل على نحو 1.45 مليار دولار سنوياً بموجب اتفاقية تمتد حتى عام 2029، في حين وافق الكونغرس على زيادة المساعدات لعام 2025 إلى 2.1 مليار دولار، وهو أعلى مستوى سنوي على الإطلاق. مع ذلك، وعلى الرغم من الدور الرئيسي الذي تلعبه هذه المساعدات في دعم استقرار الاقتصاد الأردني، والتلميحات الأميركية إلى استخدام المساعدات وسيلة ضغط عليه، فإن الأردن لم ينصع لأي إملاءات سياسية تمسّ القضايا الوطنية والسياسية الحساسة.

طبعاً هناك من يركّز على المساعدات، ويتجاهل عمداً «اتفاقية التجارة الحرة» بين المملكة الهاشمية والولايات المتحدة، التي دخلت حيز التنفيذ منذ عام 2001، وأهمية أن يظل الأردن وجهة استثمارية مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من الاضطرابات. كما يتجاهلون أن الأردن يمثل أحد أهم الشركاء الأمنيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وينفذ عمليات أمنية واستخباراتية مشتركة لمكافحة الإرهاب وضمان الأمن الإقليمي؛ مما جعله متلقياً لمساعدات وصلت على مدى العقود الماضية إلى أكثر من 30 مليار دولار.

يتصرف الأردن بثقةِ مَن تجاوز امتحانات كثيرة في عهد الملك عبد الله الثاني منذ عام 1999؛ من الانتفاضة الثانية عام 2000، إلى تداعيات «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» في 2001، إلى اجتياح العراق سنة 2003، إلى تمدد الإرهاب نحو الأردن عام 2005، وحرب إسرائيل مع «حزب الله» في 2006، مروراً بالأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008، بالإضافة إلى سنوات «الربيع العربي» الخطرة؛ بدءاً من 2010، وتدفق اللاجئين السوريين، وليس انتهاءً بسنوات التغوّل الإيراني على المنطقة خلال ولاية بايدن!

صنعت هذه التجارب الخبرة السياسية لعمّان، والأهم أنها صقلت الهوية الثقافية والوطنية في الأردن، وجعلت منه دولة متماسكة اجتماعياً، رغم التحديات الداخلية الكبيرة والضغوط الإقليمية والدولية الأكبر منها.

باسم هذه الهوية، تحدث الملك عبد الله الثاني قبل أيام مع مجموعة من المتقاعدين العسكريين، في عمّان، بعد زيارته واشنطن، معبراً بشكل غير مسبوق في لهجة العرش الهاشمي، عن استيائه من الجهات التي تتلقى الأوامر من الخارج.

العارفون بالشيفرة الأردنية يقولون إن هذا الكلام يعكس ارتياح الملك إلى قدرته على إدارة المرحلة الدقيقة التي تمر بها علاقة بلاده بواشنطن، مطمئناً إلى إدراك الدولة الأميركية العميقة موقع الأردن بصفته وسيطاً دبلوماسياً في الشرق الأوسط، وأنه مهم لأمن الإقليم، كما ظهر في لقاءات الملك مع قادة الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

إذا ما تجاوزنا فقاعات التصريحات الأميركية، فإنه يتضح أن قدرة الأردن على تجاوز مطبات العلاقة الحالية بواشنطن أعلى بكثير مما يُهَوَّل به في الإعلام؛ إما لإحراج قيادة المملكة الهاشمية، وإما لرفع مستوى التوتر في الشارع الأردني من قِبل أصحاب الأجندات نفسها التي خاطبها الملك. تدرك واشنطن، كما تُبيّن تراجعات ترمب الأخيرة، أن الأردن حليف استراتيجي، وأن أي زعزعة لاستقراره قد تؤدي إلى تداعيات كارثية على المنطقة.

زيارة واشنطن، وما تلاها، كانت مناسبة للتأكيد على أن دول التعقّل ليست لُقمة سائغة للقوى الدولية، وأن حساباتها الوطنية ستكون الأساس في بلورة أي حلول بالشرق الأوسط.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دروس أردنية في واشنطن دروس أردنية في واشنطن



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt