حاول وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في مقاله بمجلة «فورين أفيرز» ذات الأصداء الواسعة بين النخب السياسية والأكاديميين وصناع القرار أن يطرح مبادرة سلام، لكنه سلام مفخخ للأسف بالهيمنة، وفرض أمر واقع على دول الجوار، وتجاهل كل الإقليم والتركيز على استرضاء الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترمب بمنطق الصفقات الذي يذهب الكثيرون إلى أنه أحد مفاتيح فهم الكثير من تصرفات الرئيس الأميركي ومواقفه السياسية.
خلاصة الصفقة تهدف إلى التخفيف من حجم خسائر إيران على الأرض ومنح الولايات المتحدة ما يشبه الانتصار من خلال قيود على التخصيب والسلاح النووي والتحكم في مضيق هرمز في مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية وإعادة إدماج إيران في الإقليم كقوة أساسية. وفي التفاصيل، فإن نسبة التخصيب التي اقترحها ظريف أقل من 3.67 في المائة، ومنح حق الوصول والتفتيش ونقل جميع المواد المخصبة إلى اتحاد مكون من عدد من الدول، ولكنْ ذلك مشروط أيضاً بطرح معاهدة عدم اعتداء من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل مستدامة وغير مشروطة.
من زاوية العلاقات الدولية أثناء الحرب، يُقرأ هذا الاقتراح الذي لقي رفضاً كبيراً داخل أوساط الرأي المنسوب للحكومة الإيرانية - ونحن هنا نتحدث عن مزيج من «الحرس الثوري» والشخصيات المحسوبة على الصقور في النظام وما تبقى من الأسماء التي بقيت على قيد الحياة، وما يرشح مما ينسب عادة إلى مجتبى خامنئي - على أنه استسلام يقف على قدم البقاء على الحياة ومحاولة لترسيخ ما تبقى من نفوذ قبل أن تفلت الأوضاع مع ترقب رد فعل الإدارة الأميركية بعد المهلة.
ربما رشحت البراغماتية الأميركية عن قبول بصوت خفي لبعض الأصوات التي تريد إنهاء الحرب لاتفاقية كهذه بهدف تهدئة أسواق الطاقة وتقلباتها المحمومة. كما أنه سيضمن إعلان النصر بحيثيات يمكن أن ترضي أنصار ترمب وحلفاءه في «الماغا». كما أنها ربما قطعت الطريق على ما سيبدو تحدياً كبيراً في إحداث نتائج إيجابية في الانتخابات النصفية.
لكن الأكيد أن صفقة كهذه هي كارثة سياسية وإقليمية لا يمكن أن تقبل بها الدول التي تم إقحامها في حرب كانت تكافح كي لا تبدأ. وأعني هنا دول الخليج التي يمكن الحديث عنها اليوم ككتلة واحدة في مواجهة هذا الاقتراح غير الظريف الذي يعني ببساطة تجاوز أمن الخليج الذي لم تتم مراعاته في إعلان الحرب ولا في أثنائها، وكانت هي الدول الأكثر تضرراً منها. ولا يمكن بحال أن يتم تجاوز مسألة أمنها أو إعادة تموضع نظام طهران الذي فقد مصداقيته وثقة جيرانه بمجرد شعوره بأنه على وشك فقدان بنيته التحتية العسكرية.
كما أن تكلفة التنازلات الإيرانية بمعزل عن أمن الخليج ليست كبيرة إذا ما قورنت بحجم التنازلات التي قدمتها طهران قبل الحرب، حين عرضت وقفاً مؤقتاً لتخصيب اليورانيوم يمتد إلى خمس سنوات. وكان من المرجح أن يتم المزيد من التقدم والضغط في المحادثات؛ إذ كانت إيران آنذاك بكامل هيكليها السياسي من المرشد مروراً بـ«الحرس الثوري»، وصولاً إلى ما يوصفون عادة بـ«الشخصيات المعتدلة» التي تم قمعها مع أول محاولة اعتذار خجولة لدول الخليج عن عدوانها.
اللافت هنا، أن الحملة ضد الاعتذار للخليج ضمت المستويين الرسمي والشعبي، وحتى المعارض من القوميين العلمانيين في الولايات المتحدة المعادين لنظام طهران؛ إذ وقفوا صفاً واحداً وتخندقوا في التبرير لاستهداف دول الخليج بحجة رفع التكلفة التي لم تكن سوى المزيد من التعقيد لتبعات الحرب التي سيعاني منها العالم بنسب تفوق حتى دول الخليج التي ستبدأ لحظتها التأسيسية لما بعد هذه الحرب على كل المستويات بما يشبه «كشف حساب» شاملاً ومستحقاً.
مقالة ظريف في توقيتها واختيار مكان نشرها تشير إلى لعبة كسب الوقت وجزء من تناقضات الداخل الإيراني بعد تراجع قدرات «الحرس الثوري» وشل الكثير من عملياته إلى ما يقترب من عمليات الاستهداف المعتمد كلياً على المسيَّرات والصواريخ، بما لا يتجاوز حتى ما كانت تفعله أذرعه قبل الحرب، ومع استباحة كبيرة للأجواء وما كشفت عنه عملية إنقاذ الجندي الأميركي من اضطراب على الأرض. وهذا كله يشي بأن عملية صنع القرار اليوم مرتبكة - إن لم تكن مشلولة - بينما يحاول البراغماتيون مثل الرئيس مسعود بزشكيان وسلفيه حسن روحاني ومحمد خاتمي، ومعهم ظريف، صياغة شروط وكسب المزيد من الوقت في محاولة لحشد ضغط دول العالم المتضررة من إغلاق المضيق ومنح الفرصة لـ«الحرس الثوري» لالتقاط أنفاسه مجدداً، مع محاولة استعادة قنوات التفاوض عبر باكستان وعُمان وتركيا ومصر، ومن خلال الإشارات الإيجابية التي يمنحونها بتسهيل عبور ناقلات النفط بشكل انتقائي.
مقال ظريف أنهى أكذوبة المعتدلين، وهو ما أثبته الالتفاف القومي تجاه هذه الحروب التي بدت وجودية للإيرانيين، بمن فيهم شرائح من المعارضة، وعدم وضع دول الخليج ضمن أي طرح للتهدئة أو المفاهمة، بل على العكس الحديث عن أنها «فرطت» في عروض طهران الأمنية وترتيباتها السابقة؛ وهو ما يعكس حالة التعالي والصلف الإيراني والانتشاء ببعض الخطابات لشرائح من الجمهور العربي الذي يعيد إنتاج مواقفه في حرب الخليج واعتداء صدام على الكويت، وتكرارها بشكل يكشف عن خلل بنيوي في فهم دول الخليج خارج الكليشيهات المتصلة بالثروة والتحالفات الدولية.
دول الخليج اليوم هي السطر الأول في أي معادلة قبل الحرب، ويجب أن تكون كذلك بعد الحرب؛ فهي أكثر من تصدى للعدوان الإيراني الذي استهدف المنشآت المدنية قبل العسكرية من دون تمييز. وهي التي يحق لها اليوم بعد صدور هذه الأصوات النشاز والتراشقات الخطابية بين كل الأطراف أن تفخر بقدرتها على المزيد من التعقل والعقلانية في زمن الفوضى.